حين تصبح الحقيقة عبئًا على الصحفي

بقلم ناصر سعيد
لم تعد أصعب مهمة تواجه الصحفي العربي اليوم هي الوصول إلى المعلومة، بل امتلاك القدرة على قول ما يراه ويعرفه حين تتعارض الحقيقة مع سياسة المؤسسة التي يعمل فيها، أو مع مصالح القوى التي تمولها وتوجه خطابها.
خلال السنوات الماضية، من أحداث ما سُمي الربيع العربي عام 2011 إلى الحرب في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، وجد كثير من الصحفيين والإعلاميين أنفسهم أمام امتحان مهني وأخلاقي قاسٍ. فالحروب لم تعد تدور فقط في الشوارع والجبهات، بل أصبحت الرواية الإعلامية نفسها جزءًا من الحرب، وأصبح اختيار الكلمة أحيانًا موقفًا سياسيًا كاملًا.
المشكلة ليست في اختلاف الرأي، فهذا طبيعي ومشروع، وإنما في أن تصبح هناك كلمات مسموحة وأخرى محظورة وفق هوية الفاعل ومصالح المؤسسة. قد يجد الصحفي نفسه عاجزًا عن وصف عمل يراه إرهابًا بأنه إرهاب، أو حرب إبادة بأنها إبادة، أو تهجير قسري بأنه تطهير عرقي، أو احتلال بأنه احتلال، أو تدخل عسكري خارجي بأنه غزو، لأن لكل كلمة حساباتها السياسية ومصالحها ومموليها.
وهنا تبدأ المأساة المهنية. فالصحفي الذي يريد الاحتفاظ بموقعه قد يجد نفسه مضطرًّا إلى مسايرة الخط التحريري، حتى عندما لا يقتنع به. ومع مرور الوقت، لا يعود مطلوبًا منه أن ينقل الحقيقة كما يراها، وإنما أن ينتقي منها ما يخدم الرواية المطلوبة، وأن يتجاهل ما يحرج المؤسسة أو الدولة أو المشروع السياسي الذي تقف خلفه.
أما من يرفض ذلك، فقد لا يُطرد بالضرورة، وإنما يحدث له شيء أكثر هدوءًا: يُركن جانبًا. يظل موجودًا في المؤسسة، يحمل صفته المهنية وربما يظهر أحيانًا على الشاشة أو يكتب في صفحاتها، لكنه يتحول عمليًّا إلى ما يشبه «المزهرية»: موجود في المكان، لكنه بلا تأثير حقيقي. لا تُسند إليه الملفات الحساسة، ولا يُسمح له بتجاوز الخطوط المرسومة، ولا تصبح خبرته المهنية كافية إذا كانت آراؤه لا تنسجم مع الرواية المطلوبة. وهذه ليست أزمة صحفيين أفراد، بل أزمة إعلام كامل.
لقد كشفت أحداث 2011 كيف تستطيع وسائل الإعلام أن تتحول من ناقل للوقائع إلى طرف في الصراع، وكيف يمكن أن تتغير توصيفات الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية والانهيارات الداخلية تبعًا للموقف السياسي. وما حدث لاحقًا في أكثر من بلد عربي أكد أن معركة المصطلحات لم تكن أقل أهمية من معركة السلاح.
ثم جاءت حرب غزة لتضع الإعلام الدولي والعربي أمام اختبار جديد. فكل كلمة أصبحت موضع صراع: من الضحية؟ ومن المعتدي؟ وما حدود الدفاع عن النفس؟ ومتى تتحول الحرب إلى عقاب جماعي؟ وكيف يوصف قتل المدنيين وتهجير السكان وتدمير المدن؟
ولم يعد الصراع فقط حول الوقائع، بل حول من يمتلك حق تسميتها.
فاللغة ليست محايدة دائمًا. عندما يُسمح باستخدام أقسى الأوصاف ضد طرف، بينما تُنتقى تعبيرات مخففة لوصف أفعال طرف آخر، يصبح الصحفي أمام معضلة: هل يلتزم بما تمليه عليه المؤسسة، أم بما يعتقد أنه الحقيقة؟ وهنا يظهر أخطر ما يمكن أن يصيب المهنة: الرقابة الذاتية.
فالصحفي الخائف لا يحتاج إلى رقيب يقف خلفه. بعد سنوات من معرفة الخطوط الحمراء، يصبح هو رقيب نفسه. يعرف مسبقًا الجملة التي ينبغي حذفها، والمصطلح الذي يجب استبداله، والسؤال الذي من الأفضل ألا يطرحه، والضيف الذي لا ينبغي استضافته.
وبذلك لا يعود التضليل دائمًا في نشر معلومة كاذبة، بل قد يكون في حجب حقيقة صحيحة.
ولا يعني الدفاع عن حرية الصحفي أن يتحول إلى ناشط سياسي أو داعية أيديولوجي. على العكس، المطلوب هو استعادة المعنى الأساسي للمهنة: أن يكون ولاء الصحفي للحقيقة ولحق الجمهور في المعرفة قبل ولائه للسلطة أو الحزب أو الممول أو المؤسسة.
فالصحفي ليس مطلوبًا منه أن يكون محايدًا بين الحقيقة والكذب، ولا بين الضحية والجلاد، لكنه مطالب بأن يكون دقيقًا وعادلًا، وأن يستخدم المعايير نفسها مع الجميع.
وإذا أصبح الإعلامي غير قادر على تسمية الأشياء بأسمائها، وإذا أصبحت الحقيقة التي يعرفها تختلف عن الحقيقة التي يُسمح له بنشرها، فإن السؤال لم يعد عن حرية الصحافة وحدها.
السؤال يصبح أكثر قسوة: ماذا يبقى من الصحفي عندما يُسمح له بالكلام في كل شيء، إلا فيما يعتقد أنه الحقيقة؟
