مقالات الرأي

دوامة التمديد وتدوير الأزمة



بقلم/ فرج بوخروبة

تستيقظ الأوطان في صباحاتها المعتادة على أصوات الحياة، لكن الاستيقاظ في المشهد الليبي اليوم يشبه الاستيقاظ داخل متاهة زجاجية؛ ترى المنفذ بوضوح، لكن كلما خطوت نحوه اصطدمت بحاجز شفاف يعيدك إلى نقطة البداية. إنها «الحلقة المفرغة» التي لم تعد مجرد مجاز بلاغي يُقال في الندوات السياسية، بل أصبحت واقعًا معاشًا، ومزيجًا مريرًا من استنزاف الزمن والجهد والطاقات، دون أن تتقدم الدولة خطوة حقيقية نحو الاستقرار.

حين تتأمل المشهد بعين متجردة من الأوهام والأيديولوجيات، يطرح السؤال نفسه: هل العيب فينا أم في غيرنا؟

الإجابة لا تكمن في إلقاء اللائمة كاملة على «الآخر»، والاتكاء على شماعة المؤامرات الخارجية، ولا في جلد الذات الذي يجرد المجتمع من قدرته على الفعل. العيب يبدأ عندما يُسلب القرار الوطني ويصبح مرتهنًا للتجاذبات. للدول الخارجية مصالحها، وهذا أمر مفهوم في السياسة الدولية التي لا تعرف العواطف، لكن الخلل الحقيقي يكمن في البنية الداخلية التي سمحت لهذه المصالح بأن تتقدم على مصلحة الوطن.

على مدى سنوات، شهد الشارع الليبي ماراثونًا لا ينتهي من البيانات الرسمية، والمؤتمرات الصحفية، واللقاءات السياسية التي تُعقد في عواصم العالم وفي الداخل. طاولات مستديرة، وبيانات ختامية منمقة تُكتب بلغة دبلوماسية حذرة، وصور تذكارية بابتسامات عريضة؛ لكن النتيجة على الأرض تبقى محدودة. لم تكن المشكلة يومًا في ندرة الحوارات، بل في غياب الإرادة الحقيقية لترجمة نتائجها إلى واقع.

لقد برز في المشهد أشخاص وجماعات يتقمصون أدوارًا سياسية وثقلًا تمثيليًّا دون أن يحملوا تفويضًا شعبيًّا صريحًا أو شرعية واضحة يستندون إليها. تصدروا الشاشات، وشاركوا في صنع القرار، وتحدثوا باسم الشعب، بينما ظلوا أسرى معادلة النزاع والتجاذب. يتصارعون على النفوذ داخل دولة تتآكل مؤسساتها، دون إدراك أن استمرار هذا الاستنزاف لن يترك لأحد ما يتصارع عليه.

وما يثير الأسى في هذه المعادلة هو حجم الاستهانة بالكلفة. فالكلفة ليست أرقامًا في ميزانيات متضخمة فحسب، بل مستقبل أجيال بأكملها يُهدر في الانتظار، وبنية تحتية تتآكل، وهوية وطنية تتعرض للتشظي. تظل الدولة تراوح بين المد والجزر؛ مدٍّ من الوعود والآمال، وجزرٍ من الواقع الخانق والأزمات المعيشية المتلاحقة. وفي قلب هذا المشهد يتوارى الدافع الحقيقي للصراع: التنافس على نفوذ مؤقت ومكاسب ضيقة، بينما يدفع الوطن الثمن عامًا بعد عام.

إن الدولة التي تمتلك مقومات كيان سياسي واقتصادي متماسك، تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. ولهذا لم يعد الحديث عن الأزمة الليبية يحتمل المساحيق التجميلية أو التفاؤل الذي لا يستند إلى خطوات عملية. فتوصيف الألم بدقة ليس تشاؤمًا، بل هو بداية البحث عن العلاج.

ومع ذلك، فإن قراءة الواقع كما هو لا تعني التسليم بالهزيمة، بل تعني تحديد مكامن الخلل بوضوح. والخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب العودة إلى المربع الأول: إحياء الفكرة الوطنية، مجردةً من حسابات النفوذ والمصالح الضيقة.

فالدولة لا تُبنى بصفقات مؤقتة وتفاهمات هشة بين متخاصمين يسعون إلى تقاسم النفوذ، وإنما تُبنى بعقد اجتماعي يعيد الاعتبار لإرادة المواطن، وينهي حالة الارتهان، ويضع حدًّا للعبث بمصير بلد يختزل اليوم في بيانات ومؤتمرات.

سيظل قلم التحليل يكتب بحبر قاتم طالما استمر الإصرار على النهج ذاته؛ لأن المقدرات المنهوبة والفرص الضائعة لا يمكن تغطيتها بالشعارات. لكن التاريخ يعلمنا أن الحلقة المفرغة، مهما اتسعت وترسخت أركانها، يمكن أن تنكسر عندما يستعيد الفاعل الحقيقي -وهو الشعب- دوره، وينتقل من موقع المترقب لما «ستؤول إليه الأمور» إلى موقع الصانع والموجه لمستقبله.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى