مقالات الرأي

ثنائيات الصراع الأبدي



بقلم/ ناجي إبراهيم

أقسى أنواع الديكتاتورية أن تحاول القلة فرض سلطانها على الأغلبية، والأسوأ من ذلك عندما تأتي السلطة بدون تفويض شعبي، حتى لو كان شكليًّا كما يجري في الدول التي تقوم نظمها السياسية على التمثيل النيابي وفق آلية الانتخابات، وفي هذه الحالة تعتبر الحكومة مغتصبة للسلطة من الناحية الشرعية والقانونية، وماذا إذا كانت هذه الحكومة جاءت بتفويض خارجي ووفق إرادة خارجة عن الإرادة الشعبية (مصدر السلطات)؟ هذا ما أجابت عنه بالأمس، في الذكرى ال57 لثورة الفاتح العظيم، جماهير الشعب الليبي والتي قدمت للعالم ولليبيين استفتاءً شعبيًّا يظهر تأييدًا شعبيًّا منقطع النظير للنظام الجماهيري وثورة الفاتح، على الرغم من التضييق الأمني في بعض المناطق والتهديدات التي أطلقتها بعض الأطراف الفبرايرية للجماهير لثنيها عن الخروج للشوارع وإظهار تأييدها الذي شهده القاصي والداني لثورة الفاتح، وبينت هذه الحشود التي غطت الساحات وملأت الشوارع متوشحة بالرايات الخضراء وهي ترفع صور قادة ورموز النظام الجماهيري، زيف ما تدعيه سلطات الأمر الواقع، وفضحت الرواية الفبرايرية التي قامت على كذبة صنعتها وفبركتها آلة الدعاية الإعلامية التي كانت أداة من أدوات المؤامرة على الشعب الليبي.

جميع محاولات التعمية وحتى التشويه لم تستطع أن تطمس الحقيقة التي تجلت واقعًا فوق الأرض أسقط الادعاءات التي سوقت لها آلة التزوير التي استخدمتها فبراير لإضفاء شرعية مفترضة على سلطتها المغتصبة.

اللافت في هذا الحراك الشعبي الداعم والمؤيد لمشروع ثورة الفاتح التحرري هو المشاركة الفاعلة من الشباب الذين أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين وهم لم يعيشوا زمن النظام الجماهيري ومشاركة واسعة للمرأة والأطفال ومختلف الشرائح العمرية الأمر الذي رسخ لدينا يقينًا لا يقبل الشك أن تيار الفاتح ينمو ويكبر ويتوسع ويتجدد ويؤكد على سلامة البناء الفكري للنظرية الجماهيرية التي تعتبر الشعب هو أحد وأهم مرتكزاتها.

هذه الجماهير التي خرجت للشوارع لم تخرج تطالب بنظام قد ولى، بل خرجت لتعلن عن حضورها الذي لا يغيب ولن يغيب، ولم تخرج تأييدًا لثورة جابت الأمجاد وحققت السيادة للشعب الليبي فحسب، بل خرجت تطلب السيادة التي اغتصبت بفعل التدخل الخارجي الذي بات حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا من تشكيل الحكومات والترتيبات الأمنية حتى توزيع الميزانية ومجالات صرفها، ولتفتح أبوابًا مشرعة للفساد يدخل منها الفاسدون الذين أفرغوا خزائن الدولة دون رقيب أو حسيب، ناهيك عن تقسيم الوطن إلى مناطق نفوذ عسكري واقتصادي بين المتدخلين.

إذن، خروجنا بالأمس ليس ابتهاجًا، رغم أنه يوم يسر الناظرين والخضرة تغطي الساحات وتعلو الأسطح والمباني تصحبها زغاريد الفرح وهتافات التحدي، ولكنه إعلان انطلاق للمقاومة الشعبية العارمة التي ستطهر ليبيا من الدنس والأرجاس.

وهنا يظهر الفرق البين والشاسع بين الانتماء للوطن والقيم والمثل العليا، وبين الارتباط بالسلطة من أجل مكاسب مادية شخصية أو حتى لقدرات ومهارات مهنية، وقد كتب صديقي العبد العزيز الليبي مقالًا مطولًا على صفحته في الفيس بوك عن الفرق بين الانتماء والارتباط، نخليكم إليه للاطلاع عليه

الذي شهدته ساحات ومدن ليبيا احتفاءً بنظام قد غاب من الناحية الواقعية، ولا توجد مصلحة مادية لأي شخص أن يحتفل بغائب، ولكن الذي حضر هذا المرة الوجدان والانتماء وغاب الارتباط الذي رأيناه في الوزير محمد الحويج الذي يراه البعض وجهًا من وجوه نظام الفاتح، نعم هو كذلك من حيث الارتباط ولكنه غير صحيح من حيث الانتماء، وربما تجلى في أكثر من شخص بما فيهم حتى ضباط شاركوا في ثورة الفاتح واتضح فيما بعد أن مشاركتهم لم تكن انتماء لفكر صاحبها وقائدها وإنما رغبة في تحقيق مصلحة خاصة، ومنهم من كان يسعى لمنصب أو رتبة.

أما من خرجوا بالأمس، وخاصة الشباب الذين لم يرتبطوا بثورة الفاتح مصلحيًّا، فهم يعبرون عن انتماء لقيم ومبادئ عبرت عنها ثورة الفاتح، تجلت في السيادة والريادة والندية والكرامة والانحياز للفقراء والمحرومين والمعدومين، والباحثين عن أمن واستقرار فقدوه في ظل نكبة برناير، والمتطلعين لمستقبل كان يرسم من خلال مشاريع تنموية وتعليمية وصحية كانت تتجسد معالمها في آلاف المشاريع التي توقفت وتعطلت بسبب الإهمال والفساد وتوقف معها أي أمل في المستقبل لآلاف، بل ملايين سيصبحون في قادم السنوات مغامرين في هجرات الموت.

الذي جرى الإعلان عن تدشين شكل جديد ونوع جديد من الرفض والتعبير لم يعرفه العالم، واعتبره بعض السطحيين استدعاء لنظام قد ولى وصار من الماضي، إلا أن المتفحص للمشهد يلاحظ أن الفاتح هو عنوان كبير يترجم الكفاح ضد الظلم والاستعباد والفقر والفساد والتهميش، وهو تفسير واقع وحي للسيادة والكرامة، لأن كل هذه الأسباب كانت سببًا لاندلاع مواجهة غير محسوبة العواقب يقودها الشعب الليبي كالتي قادتها ثورة الفاتح عام 1969.

والذين يقولون إن التاريخ لا يعيد نفسه نقول لهم الأحداث تكررت والواقع التاريخي يجري استنساخه، ومثلما هي البدايات تكون النهايات، ولن ينتهي الصراع والتدافع وكل تلك الثنائيات طالما توجد ثنائية الحق والباطل، والخير والشر، وكل الصراعات في هذا الكون منذ أن تأسس حتى قيام الساعة تقوم على هذه الثنائيات.

زر الذهاب إلى الأعلى