ملفات وتقارير

(4+4).. توافق ليبي بصبغة أممية




تقرير – سيد العبيدي

شهدت العاصمة طرابلس، في 30 أغسطس 2026، توقيع الاتفاق النهائي للاجتماع المصغر المعروف باسم (4+4)، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في خطوة تستهدف تحريك العملية السياسية المتعثرة، وتهيئة الطريق أمام إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

لكن الاتفاق، الذي حظي بترحيب دولي واسع، لا يفتح فقط بابًا جديدًا أمام الانتخابات، وإنما يطرح كذلك أسئلة سياسية وقانونية تتعلق بطبيعة الاجتماع نفسه، ومصدر شرعيته، وحدود صلاحياته، ومستقبل مخرجاته في حال رفضتها أو عطلتها المؤسسات الليبية القائمة؛ فالمسألة لم تعد مجرد لجنة حوارية تناقش أفكارًا أو تقدم توصيات، وإنما انتقلت إلى توقيع اتفاق يتضمن إجراءات محددة وسقفًا زمنيًّا للوصول إلى الانتخابات، إلى جانب الحديث عن آلية للتعامل مع احتمال عدم اعتماد مجلسي النواب والدولة للاتفاق خلال المهلة المحددة.

جاء الاتفاق بعد أشهر من التحركات الأممية لكسر الجمود الذي عرقل تنفيذ خارطة الطريق السياسية، وبعد أن توصل أعضاء الاجتماع المصغر في تونس، يوم 20 أغسطس، إلى مسودة الاتفاق بالأحرف الأولى، قبل الانتقال إلى طرابلس لاستكمال ترتيبات التنفيذ والتوقيع الرسمي.

ما هي لجنة الحوار المصغر؟

لجنة الحوار المصغر (4+4) هي صيغة حوارية محدودة تضم ممثلين عن الأطراف الليبية الرئيسية في شرق وغرب البلاد. جاء تشكيلها ضمن جهود بعثة الأمم المتحدة لمعالجة الانسداد السياسي، ولا سيما بعد تعذر التوصل إلى توافق بين مجلسي النواب والدولة بشأن الإطار الانتخابي وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وبحسب ما أعلنته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن، فإن بعثة الأمم المتحدة هي التي أنشأت “الاجتماع المصغر”، الذي عرف لاحقًا باسم (4+4)، بعدما وصل مجلسا النواب والدولة إلى حالة من الانسداد حالت دون إنجاز الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق.

ممثلون عن الشرق والغرب

تضم لجنة الحوار المصغر 8 أشخاص، 4 عن الجانب المرتبط بالغرب وحكومة الوحدة، و4 عن القيادة العامة للقوات المسلحة في الشرق والجنوب، بما في ذلك ممثلون عن المؤسسات والقوى الفاعلة في المشهد الليبي.

يشار إلى أن لجنة (4+4) ليست مؤسسة دستورية، وليست هيئة منتخبة من الشعب، كما أنها ليست جسمًا نص عليه الإعلان الدستوري، أو أُنشئ بقانون ليبي، أو بقرار صادر عن سلطة تشريعية وطنية، لكنها في الأساس، آلية سياسية أنشأتها بعثة الأمم المتحدة لمعالجة حالة الانسداد.

كذلك لا يعني بالضرورة أن الحوار الذي تجريه اللجنة غير مفيد، أو أن التوافقات التي توصلت إليها مرفوضة من حيث المبدأ، لكن الإشكالية تبدأ عندما تنتقل الآلية من دور الوسيط لتقريب وجهات النظر إلى إنتاج اتفاق يتناول مسائل تمس الإطار القانوني والسياسي للانتخابات واختصاصات مؤسسات قائمة.

أسئلة حول دستورية (4+4)

إلى ذلك، برزت عدة أسئلة، حول صلاحية اللجنة المصغرة في تعديل الإطار القانوني للانتخابات ومن منحها صلاحية اقتراح إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتسمية أعضائه، وهل يمكن لثمانية أشخاص، مهما كانت الجهات التي يمثلونها، أن يصبحوا بديلًا عن المؤسسات الليبية أو عن الإرادة الشعبية؟

من الانسداد إلى البحث عن آلية بديلة


بحسب مراقبين فإن المشكلة، ليست في الرقم (4+4) وإنما في المسار الذي أنتج هذه الصيغة، فعلى مدى السنوات الماضية، أنتجت الأزمة الليبية أجسامًا ولجانًا ومسارات متوازية، تمثلت في “حوارات، وملتقيات، ولجان استشارية، ومسارات أمنية واقتصادية ودستورية، ثم لجان جديدة لمعالجة فشل اللجان السابقة”. وكلما تعثرت مؤسسة، كان الحل غالبًا إنشاء جسم آخر، وكلما فشل مسار حواري، بدأ مسار جديد.

ويرى المراقبون أن الأزمة الليبية أصبحت في حالة تضخم في الأجسام السياسية مقابل تراجع الإرادة الوطنية المباشرة، لكن تشكيل (4+4) حمل هذه المرة دلالة مختلفة، لأن البعثة الأممية ربطت إنشاء الاجتماع المصغر صراحة بعجز مجلسا النواب والدولة عن معالجة ملفات رئيسية في خارطة الطريق.

وهنا يطرح السؤال نفسه، هل يؤدي فشل المؤسسات القائمة إلى سحب اختصاصاتها ومنحها تدريجيًّا إلى آلية أنشأتها بعثة دولية؟ فالفشل السياسي للمؤسسات الليبية حقيقة يصعب إنكارها، لكن معالجة هذا الفشل تفترض أن تقود في النهاية إلى إعادة السلطة إلى الشعب، لا إلى نقلها تدريجيًّا من مؤسسة إلى لجنة، ومن لجنة إلى بعثة، ومن بعثة إلى مجلس الأمن، وهنا تكمن إحدى أهم القضايا التي يطرحها الاتفاق الجديد. حسب حديث المراقبين لـ “الموقف الليبي”.

أبرز بنود اتفاق (4+4)

جاءت إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على رأس بنود الاتفاق، حيث يضع الاتفاق إعادة تشكيل مجلس المفوضية في مقدمة الإجراءات المطلوبة لتهيئة البلاد للاستحقاقات الانتخابية.

وتتضمن الوثيقة توصية بتعيين ضو إبراهيم الهامي عطية رئيسًا لمجلس المفوضية، وسناء الشتيوي/الليشاني نائبًا للرئيس، إلى جانب ستة أعضاء جدد، ثلاثة يرشحون من جانب مجلس النواب، وثلاثة من جانب المجلس الأعلى للدولة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن المفوضية تمثل الجهة الفنية المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، وبالتالي فإن إعادة تشكيل مجلسها تعد من الشروط الأساسية للانتقال من التفاهمات السياسية إلى الاستعداد الفعلي للانتخابات.

الانتخابات خلال 24 شهرًا

ولعل أهم ما حمله الاتفاق هو وضع سقف زمني لا يتجاوز 24 شهرًا للوصول إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وينص الاتفاق على أن تجرى الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، وهو ما يعني أن الاستحقاق الانتخابي يفترض ألا يتم في ظل استمرار الانقسام الحالي بين سلطات ومؤسسات متنافسة.

وهذه النقطة تمثل جوهر الاتفاق؛ إذ لا يكتفي بوضع قواعد انتخابية، وإنما يربط المسار الانتخابي بهدف سياسي أوسع يتمثل في توحيد السلطة والمؤسسات.

السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح

ويتضمن الاتفاق تعديلًا مهمًا في شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، إذ يسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح، مع وضع ضمانات تلزم المرشح الفائز بالتخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، كما تتضمن الوثيقة معالجة قانونية تقضي بإعادة العملية الانتخابية في حال تعذر استيفاء الفائز لهذا الشرط.

ويمثل هذا البند أحد أكثر الملفات حساسية سياسيًّا، باعتباره يعالج إحدى نقاط الخلاف التي ساهمت في تعثر انتخابات ديسمبر 2021.

مشاركة العسكريين في الانتخابات

ومن البنود اللافتة في الاتفاق السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية ناخبين ومرشحين، وفق أطر قانونية وتنظيمية يفترض أن تضمن حياد المؤسسة العسكرية.

ويمثل هذا البند تحولًا مهمًّا مقارنة بالجدل السابق حول أهلية العسكريين للترشح، كما أنه قد يفتح الباب أمام شخصيات عسكرية بارزة للمشاركة في الاستحقاق الرئاسي، وهو ما يجعل هذا البند من أكثر البنود ارتباطًا بالتوازنات السياسية الليبية.

نظام الانتخابات التشريعية

ويقترح الاتفاق اعتماد القانون رقم 10 لسنة 2014 أساسًا للانتخابات التشريعية، مع السماح للأحزاب السياسية بالمشاركة من خلال مرشحين أفراد في الدوائر الانتخابية.

كما يمنح مجلس النواب المنتخب لاحقًا صلاحية معالجة ملفات الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده، وهو ما يعني أن الاتفاق لا يجعل إقرار الدستور الدائم شرطًا سابقًا بالضرورة لإجراء الانتخابات، وإنما يحيل معالجة المسألة الدستورية إلى المؤسسة التشريعية المنتخبة.

20 ألف تزكية للترشح للرئاسة

ومن التعديلات الأخرى التي تتضمنها الوثيقة تحديد 20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين في مختلف أنحاء ليبيا للترشح للانتخابات الرئاسية، كما تتضمن الترتيبات مراجعة بعض أحكام الطعون الانتخابية، وفصل نتائج الانتخابات الرئاسية عن نتائج الانتخابات التشريعية.

وتتضمن التعديلات المقترحة أيضًا إلغاء الجولة الثانية الإلزامية إذا تمكن أحد المرشحين من الحصول على الأغلبية المطلقة، إلى جانب تعديلات مرتبطة بالطعن والنتائج الانتخابية.

توزيع جلسات المؤسسات بين المدن

ومن البنود ذات الدلالة السياسية أن الاتفاق يقترح عقد جلسات مجلس النواب المنتخب وجلسات السلطة التنفيذية بصورة دورية بين طرابلس وبنغازي وسبها.

ويحمل هذا الترتيب بعدًا يتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يعكس محاولة لإيجاد صيغة أكثر توازنًا جغرافيًّا للمؤسسات الوطنية، وتأكيد أن مؤسسات الدولة الجديدة يفترض أن تكون وطنية وليست مرتبطة بمنطقة واحدة.

تعذر إجراء الانتخابات خلال عامين

حسب الاتفاق، إذا تعذر إجراء الانتخابات خلال المدة المحددة، تعمل الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من أجل إيجاد آلية تضمن الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. وهنا تظهر أهمية الاتفاق؛ فهو لا يحدد فقط موعدًا مستهدفًا، وإنما يحاول أيضًا وضع آلية للتعامل مع احتمالات التعطيل.

لكن هذه الآلية تظل مرتبطة بقدرة الأطراف الليبية والمؤسسات القائمة على تنفيذ ما تم التوافق عليه، وهو ما يجعل الاختبار الحقيقي للاتفاق يبدأ بعد مراسم التوقيع.

ماذا لو رفض النواب والدولة التوقيع؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في الاتفاق سياسيًّا، فبحسب ما هو معلن، إذا لم يتمكن مجلسا النواب والدولة من المصادقة على الاتفاق بصيغته الموقعة خلال شهر من تاريخ التوقيع، تقترح الوثيقة البحث عن آلية أوسع لاعتماده وطنيًّا، مع التوجه نحو اعتماده دوليًّا عبر مجلس الأمن.

كما تقترح إنشاء إطار متابعة بين أعضاء الاجتماع المصغر وبعثة الأمم المتحدة خلال شهر من التوقيع لمتابعة التنفيذ، وهنا ينتقل السؤال من طبيعة (4+4) إلى مستقبل مخرجاتها، فإذا رفض مجلس النواب الاتفاق، أو رفضه المجلس الأعلى للدولة، أو استمر تعطيل اعتماده، فهل تنتهي المسألة ويبدأ حوار جديد؟ أم يصبح استمرار الانسداد مبررًا للانتقال إلى آلية بديلة؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن مجلس الأمن سيعتمد الاتفاق حتمًا، أو سيصدر قرارًا يفرضه على الليبيين؛ فهذا الأمر ليس نتيجة تلقائية للتوقيع، وإنما يتوقف على المسار السياسي اللاحق وعلى مواقف الدول الأعضاء والتوازنات الدولية.

هل نحن أمام صناعة شرعية جديدة؟

من الناحية القانونية، لا تستطيع لجنة (4+4) أن تكتسب شرعية شعبية لمجرد أن الأمم المتحدة أنشأتها أو رعت اجتماعاتها، فالشرعية الوطنية مصدرها الشعب أو المؤسسات التي تستمد سلطتها من نص دستوري أو توافق سياسي ليبي واضح.

لكن من الناحية السياسية والدولية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فالتوقيع الرسمي، والرعاية الأممية، والحضور الدولي، وإدراج الاتفاق ضمن المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة، كلها عوامل يمكن أن تمنح المخرجات وزنًا سياسيًّا متزايدًا، حتى لو ظلت شرعيتها الوطنية محل نقاش.

وهنا يظهر الفرق بين الشرعية القانونية والشرعية السياسية الدولية. فقد لا تكون اللجنة منتخبة، وقد لا تكون مؤسسة دستورية، لكن إذا تبنت الأمم المتحدة مخرجاتها باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لكسر الانسداد، ثم وجدت هذه المخرجات دعمًا من الأطراف الدولية المؤثرة، فإنها قد تتحول تدريجيًّا إلى أمر سياسي واقع.

توافق نادر بين الشرق والغرب

من جهته، رحب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر، ورئيس الحكومة الليبية أسامة حماد، بالاتفاق، مؤكدين أنه خطوة مهمة في إطار استكمال خارطة الطريق والوصول إلى الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.

كما رحب به الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وبعثة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، بحسب التقارير المنشورة.

ومنحت هذه المواقف الاتفاق وزنًا سياسيًّا مهمًّا، خصوصًا أن الترحيب جاء من أطراف موجودة في معسكري الشرق والغرب، وهي الأطراف التي ظل الخلاف بينها أحد أهم أسباب استمرار الانقسام.

لكن هذا الترحيب لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات، كما أن غياب رئيسي المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة عن مراسم التوقيع أثار تساؤلات حول مدى اتساع قاعدة التوافق حول الوثيقة.

لماذا يمثل الاتفاق اختراقًا سياسيًّا؟

يمكن تلخيص أهمية الاتفاق في خمسة عوامل رئيسية: أولًا: أنه نقل الخلاف من مرحلة الحوار إلى مرحلة تنفيذية تتضمن إجراءات محددة. ثانيًا: أنه وضع سقفًا زمنيًّا لا يتجاوز 24 شهرًا للانتخابات، وهي خطوة مهمة منذ تعثر انتخابات ديسمبر 2021. ثالثًا: أنه عالج ملفات كانت سببًا مباشرًا في تعثر الانتخابات، من بينها قواعد الترشح، ومشاركة العسكريين ومزدوجي الجنسية، وإعادة تشكيل المفوضية، وقواعد الانتخابات. رابعا: أنه ربط الانتخابات بتوحيد السلطة والمؤسسات، بدل التعامل مع الانتخابات باعتبارها عملية منفصلة عن أزمة الانقسام السياسي. خامسًا: أنه وضع تصورًا للتعامل مع احتمال استمرار التعطيل، من خلال البحث عن آلية بديلة للاعتماد إذا لم تنجح المؤسسات القائمة في اعتماد الاتفاق خلال المهلة المحددة.

لكن العامل الخامس هو نفسه الذي يجعل الاتفاق أكثر حساسية، لأنه يفتح الباب أمام نقاش واسع حول حدود الدور الأممي ومستقبل المؤسسات القائمة.

الطريق أمام الانتخابات ما زال طويلًا

رغم الدعم الأممي والدولي الذي يحظى به الاتفاق، فإن التوقيع عليه لا يعني أن الانتخابات أصبحت مضمونة، فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن، وأول اختبار يتمثل في موقف مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

كما أن هناك تحديات أخرى، من بينها تشكيل السلطة التنفيذية الموحدة، وتوفير الظروف الأمنية المناسبة، وتنفيذ القوانين والتعديلات الانتخابية، وضمان قبول الأطراف بنتائج الانتخابات.

كما أبدت بعض الأحزاب والقوى السياسية اعتراضات على بعض مضامين الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بالنظام الفردي للانتخابات التشريعية، وبالتالي، فإن نجاح (4+4) لن يقاس فقط بقدرته على إنتاج وثيقة، وإنما بقدرته على تحويل هذه الوثيقة إلى إجراءات قانونية ومؤسساتية وانتخابية قابلة للتنفيذ.

هل تتحول الأزمة إلى صراع على الشرعية؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة، فإذا تمكن مجلسا النواب والدولة من التعامل مع الاتفاق واعتماده وترجمة بنوده إلى قوانين وإجراءات، فقد يتحول (4+4) إلى مدخل حقيقي لإنهاء المرحلة الانتقالية.

أما إذا عاد الانسداد إلى الواجهة، فإن البند الخاص بالبحث عن آلية بديلة للاعتماد، مع الدعم الدولي المحتمل، سيصبح محور المعركة السياسية المقبلة.

وقد لا يكون الهدف المباشر تجاوز المؤسسات القائمة، لكن استمرار عجزها قد يوفر المبرر السياسي للانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الاتفاق الموقع اليوم أساسًا لمسار أوسع تدعمه الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

وهنا يجب أن تدرك المؤسسات الليبية أن استمرار سياسة المماطلة وشراء الوقت قد لا يؤدي هذه المرة إلى بقاء الوضع على ما هو عليه.

فقد اعتاد كثير من السياسيين الليبيين التعامل مع المبادرات الدولية باعتبارها موجات سياسية مؤقتة تنتهي كما انتهت مبادرات سابقة، لكن اتفاق «4+4» جاء بعد سلسلة اجتماعات، وتحت مظلة خارطة طريق أممية، وفي ظل إعلان واضح بأن الانتخابات وتوحيد المؤسسات هما الهدف التالي للعملية السياسية.

الحل الليبي هو الاختبار الحقيقي

يبقى التحدي الأهم أمام المشهد الليبي في قدرة الأطراف المحلية على الانتقال من إدارة الصراع حول الأشخاص والمناصب والصلاحيات إلى إنتاج حل سياسي ليبي يحظى بقبول واسع، بما يمنع انتقال عملية صناعة القرار تدريجيًّا إلى الخارج.

ورغم أن الأمم المتحدة تؤكد أن دورها يتمثل في تيسير الحوار ومساعدة الليبيين على تجاوز الانسداد، فإن استمرار تعثر المؤسسات المحلية قد يوسع تدريجيًّا مساحة التدخل الدولي، ويفتح الباب أمام إنتاج ترتيبات وأجسام جديدة تتولى معالجة الأزمات التي عجزت المؤسسات القائمة عن حسمها.

لا بديل عن الشرعية الوطنية

ومن هذه الزاوية، فإن جوهر النقاش لا يتعلق برفض الحوار أو الانتخابات أو إنهاء الانقسام، وهي أهداف تمثل مطالب وطنية ملحة، وإنما يرتبط بضرورة أن تظل عملية صناعة القرار السياسي نابعة من إرادة الليبيين ومؤسساتهم، وألا تتحول التوافقات التي تُصاغ تحت الرعاية الدولية إلى بديل دائم عن الشرعية الوطنية.

وتتحمل المؤسسات السياسية القائمة، وفي مقدمتها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، جانبًا أساسيًّا من مسؤولية استمرار الانسداد، بعدما أدت سنوات المماطلة والخلافات حول القواعد الدستورية والقوانين الانتخابية وترتيبات المرحلة الانتقالية إلى إضعاف الثقة في قدرتها على إنتاج حل نهائي.

غير أن ضعف هذه المؤسسات لا يعني بالضرورة أن أي بديل يمكن أن يكتسب شرعيته تلقائيًّا، إذ تظل شرعية أي ترتيبات جديدة مرتبطة بمدى قبولها وطنيًّا، وبوضوح حدود صلاحياتها، وبقدرتها على التحول من تفاهم سياسي إلى مسار مؤسسي وقانوني قابل للتنفيذ.

وتحتاج ليبيا بالفعل إلى انتخابات شاملة، وإنهاء المراحل الانتقالية، وتوحيد مؤسسات الدولة، لكنها تحتاج بالتوازي إلى أن يكون هذا المسار قائمًا على قاعدة شرعية ليبية واضحة، حتى لا تتحول الرعاية الدولية من عامل مساعد على التوافق إلى عنصر حاسم في تحديد شكل السلطة ومستقبل المؤسسات.

ومن هنا، فإن اتفاق «4+4» لا يمثل مجرد محاولة جديدة لكسر الجمود الانتخابي، بل يأتي في سياق مسار بدأته البعثة الأممية من خلال آلية الاجتماع المصغر، قبل أن تتطور اجتماعاته إلى صياغة مخرجات واتفاقات ثم التوقيع عليها برعاية الأمم المتحدة، وصولًا إلى مرحلة البحث عن آليات لاعتماد هذه المخرجات وتنفيذها.

وتكمن حساسية المرحلة المقبلة في قدرة الأطراف الليبية على استيعاب الاتفاق داخل مؤسسات الدولة وتحويله إلى إجراءات قانونية وسياسية تمهد للانتخابات وتدفع نحو إنهاء المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، فإن استمرار الخلاف حول المخرجات أو رفضها من جانب المؤسسات القائمة قد يدفع نحو توسيع نطاق الرعاية الدولية للاتفاق، بما يضعه أمام مسار أكثر تعقيدًا يتعلق بآليات اعتماده وتنفيذه ومدى إلزام الأطراف به.

وبذلك، فإن توقيع اتفاق «4+4» قد يكون أنهى مرحلة من التفاوض داخل الاجتماع المصغر، لكنه يفتح في الوقت نفسه مرحلة أكثر حساسية تتعلق بشرعية مخرجاته وقدرة المؤسسات الليبية على تحويلها إلى واقع سياسي وقانوني.

فالاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في لحظة التوقيع، وإنما في مدى قدرة الليبيين على امتلاكه سياسيًّا ومؤسسيًّا، وتحويله إلى خطوة فعلية نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، بدل أن يصبح مدخلًا جديدًا لصراع حول شرعية صناعة القرار ومستقبل النظام السياسي في ليبيا.

زر الذهاب إلى الأعلى