من الرماد

لم يكن افتتاح جامعة بنغازي بعد إعادة إعمارها مجرد افتتاح لمبانٍ وقاعات ومدرجات، إنما كان إعلانًا عن انتصار أكبر من البناء ذاته؛ انتصار مدينة على الخراب، وإرادة الحياة على مشروع الموت الذي أراد أن يحول بنغازي إلى ركام.
فالإرهاب الذي يعادي الحياة يعادي المعرفة، والذي يرفع راية الظلام لا يمكن أن يقبل بمنارة تصنع الوعي والعقل، لذلك لم يكن استهداف الجامعة وتدمير مرافقها إلا جزءًا من حرب استهدفت الإنسان ومستقبله، وحاولت إطفاء واحدة من أهم منارات العلم في ليبيا.
واليوم، تقف أسوار الجامعة شاهدة على تحول عميق من آثار الحرب إلى العمران، ومن التضحيات إلى المستقبل، فبنغازي التي واجهت الإرهاب وقدمت، مع أبناء القوات المسلحة وأبناء المدن الليبية، تضحيات جسامًا دفاعًا عن الوطن، تؤكد اليوم أن الانتصار الحقيقي لا يكتمل باستعادة الأرض فقط، بل بإعادة الحياة إليها.
إن عودة جامعة بنغازي تعني أن معركة البناء تسير في طريقها الصحيح، فالطرق والجسور والمباني ضرورية لنهضة المدن، لكن الجامعات هي التي تصنع نهضة الأوطان، ومنها يخرج الطبيب والمهندس والمعلم والباحث، وتتكون العقول القادرة على حمل مسؤولية المستقبل.
وما تحقق هو تعبير عن معنى الدولة التي ننشدها، دولة تحمي مؤسساتها، وتوفر الأمن والاستقرار، وتجعل التنمية والتعليم استثمارًا في الإنسان ومستقبله.
ومن بنغازي ودرنة وكل المدن التي دفعت ثمن الدفاع عن الوطن، تأتي الرسالة واضحة: إن الوفاء للتضحيات لا يكون بالكلمات، بل بصون ما تحقق ومواصلة البناء.
وبعد سنوات الحرب، تبدأ معركة أخرى لا تقل أهمية: الانتصار على التخلف والجهل والانقسام، وبناء مؤسسات قادرة على أداء دورها، وتوفير التعليم الذي يفتح أمام الأجيال الجديدة طريقًا أوسع نحو المستقبل.
فمن تحت الركام لا تعود جامعة بنغازي وحدها، بل ينهض معها وطن يؤمن بأن مستقبله لا يبنى إلا بأبنائه، ولا يصان إلا بوحدته، ولا يستعيد مكانه إلا بالعلم والعمل والإرادة الوطنية.
