مقالات الرأي

العمل أثناء الإجازة.. بين مقتضيات العمل وحق الراحة



بقلم/ غادة الصيد

في الوقت الذي أصبح فيه العمل عن بعد أحد مظاهر التطور الإداري والتقني، برزت إشكالية تستحق التوقف عندها، تتمثل في تكليف الموظف بأداء مهام عمل أثناء تمتعه بإجازة تحت مسميات مختلفة من بينها (العمل عن بعد). أو (المتابعة الإلكترونية) أو (العمل عند الحاجة). وقد يبدو الأمر في ظاهره بسيطًا، خصوصًا مع سهولة الوصول إلى البريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة ومنصات العمل، إلا أن المسألة في جوهرها تتعلق بحق أصيل للموظف، وهذا الحق في التمتع بإجازته والابتعاد عن أعباء الوظيفة لفترة محددة، فالإجازة في المفهوم الإداري ليست مجرد عدم حضور الموظف إلى مكان العمل، وإنما هي فترة مقررة قانونًا وإداريًّا لتمكينه من الراحة واستعادة نشاطه وتجديد قدرته على إداء مهامه.

ومن هنا، فإن تحويل الإجازة الي فترة عمل من المنزل قد يفرغها من مضمونها حتى وإن لم يطلب من الموظف الحضور إلى مقر الجهة التي يعمل بها، فالموظف الذي يقضي إجازته في متابعة المراسلات، والرد على الاتصالات وإعداد التقارير، وإنجاز المعاملات، ومتابعة الملفات، لا يمكن القول إنه يتمتع بإجازة فعلية بالمعنى الذي يفرض أن تؤديه الإجازة.

ولا شك أن التكنولوجيا غيرت مفهوم بيئة العمل، وأصبح من الممكن إنجاز كثير من المهام دون وجود الموظف داخل المكتب، لكن سهولة أداء العمل إلكترونيًّا، لا تعنى بالضرورة أن يصبح الموظف متاحًا للعمل طوال الوقت، أو أن تتحول وسائل الاتصال الحديثة إلى وسيلة دائمة لاستدعائه أثناء إجازته، فالعمل عن بعد يظل عملًا، سواء تم من المكتب أو المنزل أو أي مكان آخر، وتظل له تبعاته ومسؤوليته وآثاره على وقت الموظف وراحته وحياته الخاصة.

ومن ثم، فإن استخدام عبارة (العمل عن بعد)، لا ينبغي أن يكون وسيلة لتجاوز الحدود الفاصلة بين وقت العمل ووقت الإجازة، وقد تفرض طبيعة بعض الوظائف ظروفًا استثنائية تستدعي التواصل مع الموظف أو الاستعانة بخبرته في مسألة عاجلة، خصوصًا في بعض القطاعات الحيوية أو الأعمال التي ترتبط باستمرارية المرفق العام. لكن الاستثناء لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة، فإذا كانت هناك حاجة فعلية إلى أداء الموظف لمهام أثناء إجازته فمن المهم أن تكون هذه الحاجة واضحة ومبررة، وأن يتم التعامل معها وفق القواعد المنظمة للعمل والإجازات، مع مراعاة حقوق الموظف وما يترتب على قطع الإجازة أو تكليفه بعمل خلال مدتها.

أما أن يصبح الموظف مطالبًا بمراقبة هاتفه وبريده الإلكتروني طوال فترة إجازته تحسبًا لأي مهمة فإن ذلك يطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى تحقق الغرض من الإجازة أصلًا، ولهذا تقع على الإدارة مسؤولية تنظيم العمل بصورة تمنع تحول غياب موظف واحد إلى أزمة، فالإدارة الناجحة لا تعتمد على شخص واحد في إدارة ملف أو تنفيذ مهمة، بل تعمل على توزيع المسؤوليات، وتوفير البدائل، وضمان استمرارية العمل من خلال فريق قادر على التعامل مع الظروف المختلفة، ومن هنا فإن تكليف الموظف بالعمل أثناء إجازته بصورة متكررة قد تكون في بعض الحالات مؤشرًا ليس على أهمية الموظف فحسب، وإنما على ضعف التخطيط الإداري وتوزيع المهام، ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس : هل يمكن للموظف أن يعمل عن بعد أثناء إجازته؟ وإنما: هل يجوز أن تتحول الإجازة التي يفترض أن يكون حقًّا للراحة، إلى فترة عمل غير معلنة، إن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب قراءة دقيقة للتشريعات واللوائح المنظمة للعمل والإجازات، وفي الوقت ذاته تستدعي من المؤسسات والإداري بناء ثقافة وظيفية تحترم وقت الموظف، وتوازن بين مقتضيات المصلحة العامة وحقوق العاملين، فالتكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لتطوير العمل لا وسيلة لإلغاء الحدود بين وقت العمل ووقت الحياة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى