مقالات الرأي

رجعية اليسار



بقلم / محمد علوش

ثمة حقيقة لا يحب كثيرون في اليسار سماعها: ليست الرجعية امتيازًا أيديولوجيًّا لليمين، ولا تنشأ بالضرورة من رفض التغيير أو الحنين الصريح إلى الماضي، وقد تولد الرجعية، في بعض الأحيان، داخل أكثر البيئات التي تتحدث باسم التقدم، حين يتحول الدفاع عن فكرة قديمة إلى رفض لأي سؤال جديد، وحين يصبح الوفاء للتاريخ نوعًا من الارتهان له.

المفارقة أن اليسار، الذي كان في جوهره التاريخي مشروعًا لتحرير الإنسان من أشكال الهيمنة والاستغلال، يمكن أن يقع هو نفسه في أسر ما صنعه من أفكار وأدوات وتنظيمات، وعندما يحدث ذلك، يصبح الماضي سلطة، والتجربة عقيدة، والرموز بديلًا عن التفكير، والشعارات تعويضًا عن غياب المشروع.

ليس في ذلك اتهام للتاريخ، بل نقد لطريقة التعامل معه، فالتاريخ لا يطلب منا أن نكرره، وإنما أن نتعلم منه، والأفكار الكبرى لا تموت لأنها تغيرت، بل تموت حين تتحول إلى يقين مغلق لا يسمح لنفسه بأن يرى العالم إلا من خلال قاموسه القديم.

المشكلة، إذن، ليست في أن يتمسك اليسار بمبادئه؛ بل في أن يخلط بين المبادئ والأشكال التي ظهرت فيها تلك المبادئ في مرحلة تاريخية محددة، فالعدالة الاجتماعية لا تحتاج إلى تنظيمات الأمس كي تبقى عدالة، والمساواة لا تحتاج إلى الخطاب نفسه الذي حملها قبل عقود، والتحرر لا يصبح أقل تحررًا لأنه يبحث عن أدوات جديدة، فالقيم ثابتة نسبيًّا، أما الوسائل فليست مقدسة.

وهنا تحديدًا يظهر أحد وجوه الرجعية اليسارية: تحويل الوسيلة إلى غاية، وتحويل التجربة إلى مرجعية نهائية، وتحويل الاختلاف إلى خروج على العقيدة، فلقد تغير العالم بصورة لا تسمح لنا بأن نواصل التفكير بالأدوات نفسها، وتبدلت بنية العمل، وتشكلت فئات اجتماعية جديدة، وتراجع الشكل التقليدي للعامل والطبقة والتنظيم، وصعد اقتصاد المنصات والعمل المرن والعمل الرقمي، وأصبح الذكاء الاصطناعي يعيد رسم العلاقة بين الإنسان والعمل والإنتاج والمعرفة، وفي المقابل، أصبح رأس المال أكثر قدرة على الحركة عبر الحدود، وأكثر سرعة في استخدام التكنولوجيا، وأكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه.

ومع ذلك، ما زال جزء من اليسار يتعامل مع هذه التحولات بوصفها مجرد تفاصيل على هامش الصراع، لا باعتبارها تحولات تعيد تشكيل الصراع نفسه، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف نريد تغيير العالم إذا كنا لا نريد تغيير أدواتنا لفهمه؟

ليس من الثورية أن نكرر ما قاله السابقون، مهما كانت عظمة ما قالوه، بل إن الثورية الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنسأل: هل ما زال هذا المفهوم صالحًا؟ وهل ما زالت هذه الأداة قادرة على الوصول إلى الناس؟ وهل ما زال خطابنا يعبر عن المجتمع أم يعبر عن ذاكرتنا نحن؟

إن أخطر لحظة على أي حركة سياسية هي اللحظة التي يصبح فيها السؤال أكثر خطورة من الخطأ، فعندما ينظر إلى النقد باعتباره تشكيكًا، وإلى التجديد باعتباره تنازلًا، وإلى الاختلاف باعتباره انشقاقًا، وإلى الشباب باعتبارهم قليلي الخبرة، يبدأ التنظيم في فقدان وظيفته السياسية، ويتحول تدريجيًّا إلى جهاز لحماية ذاته، وهنا لا تعود المشكلة في الخصوم، بل تصبح المشكلة في الخوف من الذات، فاليسار الذي ينشغل بحراسة حدوده الداخلية أكثر مما ينشغل بتغيير الواقع، يستهلك طاقته في معارك الهوية، بينما يترك الواقع يتغير من حوله، وقد يصبح أكثر تشددًا في تعريف «اليسارية» في الوقت الذي يصبح فيه أقل تأثيرًا في المجتمع، وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة: أن يصبح اليسار أكثر راديكالية في لغته، وأقل جذرية في قدرته على الفعل.

ليس كل خطاب صاخب ثوريًّا، كما أن الهدوء الفكري ليس بالضرورة تراجعًا، فالثورة ليست ارتفاع الصوت، وإنما القدرة على إنتاج وعي جديد، وتنظيم اجتماعي جديد، وأفق سياسي جديد، أما الشعارات التي لا تجد طريقها إلى حياة الناس، فلا تتحول بكثرة تردادها إلى برنامج للتغيير، وفي الحالة الفلسطينية، تصبح هذه المراجعة أكثر ضرورة، فالمشهد الفلسطيني لا يحتاج إلى يسار يكتفي بتسجيل المواقف الصحيحة، بل إلى يسار يستطيع أن يحول صحة الموقف إلى قوة اجتماعية وسياسية، ولا يكفي أن نمتلك تاريخًا نضاليًّا مشرفًا؛ والسؤال الأصعب هو: ماذا نفعل بهذا التاريخ في حاضر مختلف؟ وكيف نستعيد ثقة الأجيال الجديدة؟ وكيف نجعل اليسار حاضرًا في قضايا العمل والفقر والبطالة والثقافة والتعليم والعدالة الاجتماعية والحريات، وفي الأسئلة الجديدة التي تشغل المجتمع؟

إن اليسار الذي لا يعيش بين الناس، لا يستطيع أن يتحدث باسمهم، كما أن اليسار الذي يرفض مراجعة تجربته الفلسطينية والعربية، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، يغامر بتحويل النضال إلى ذاكرة احتفالية، ونحن لا نحتاج إلى ذاكرة أكثر، بقدر ما نحتاج إلى قدرة أكبر على تحويل الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى فعل.

المراجعة ليست جلدًا للذات، ولا تنكرًا للتاريخ، ولا محاولة للبحث عن شماعات للفشل، بل إنها، في جوهرها، فعل ثوري؛ لأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أكبر من تبريره، وتصحيح المسار يحتاج إلى قوة أكبر من الدفاع عنه، ولذلك، فإن مناهضة الرجعية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود اليمين، بل علينا أيضًا أن نمتلك الجرأة على مواجهة الرجعية التي قد تسكن داخلنا؛ تلك التي تجعل الماضي معيارًا وحيدًا للصواب، وتجعل التنظيم غاية في ذاته، وتحول الأشخاص إلى رموز لا تناقش، وتمنح الشعارات حصانة من الواقع.

ليس المطلوب يسارًا بلا ذاكرة، ولا يسارًا يتنكر لجذوره، بل إن المطلوب يسار بلا ماضوية، يسار يعرف تاريخه، لكنه لا يعبد تاريخه، ويحترم رموزه، لكنه لا يحولها إلى بدائل عن التفكير، ويتمسك بجوهره التحرري، لكنه لا يخشى إعادة بناء أدواته، وينحاز إلى الطبقات الشعبية، لكنه لا يفترض أنه يعرف مصالحها أكثر منها، ويؤمن بالتنظيم، لكنه لا يسمح للتنظيم بأن يتحول إلى جدار يفصل الفكرة عن المجتمع.

إن المستقبل لا ينتظر أحدًا، ولا يمنح جوائزه لمن كان أكثر وفاء للماضي، وإذا كان اليسار يريد أن يكون قوة للمستقبل، فعليه أولًا أن يتحرر من فكرة أن المستقبل يجب أن يشبه الماضي، فربما تكون المهمة الأكثر يسارية اليوم هي أن نعيد تعريف اليسار نفسه، لا لكي نتخلى عنه، وإنما لكي ننقذه من التحول إلى أثر جميل من زمن مضى، فالرجعية ليست فقط أن تنظر إلى الخلف، بل أحيانًا تكون الرجعية أن ترفض النظر إلى الأمام.

زر الذهاب إلى الأعلى