حين يصنع العمران السلام

بقلم / هدى حامد الزوي
تؤكد القوانين العمرانية والعلوم السياسية الحديثة أن المباني والفضاءات ليست مجرد حجارة جامدة، بل هي أدوات صامتة تشكل الوعي السياسي وتصوغ مسارات العلاقات بين الدول والمجتمعات. ومن هنا تبرز عمارة السلام كفلسفة تصميمية تجمع بين الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني لبناء بيئات مادية تحفز الوفاق وتقضي على مسببات العنف المادي والرمزي.
إن ما ينقص مشاريع إعادة الإعمار التقليدية هو إدراك مفهوم العمران السياسي؛ حيث يمتد أثر المباني والتصميم الحضري إلى طاولات المفاوضات ودعم اتفاقيات السلام الدولية ونزع فتيل النزاعات. وفي ظل الخصوصية المعقدة للحالة الليبية، يصبح الاعتماد على عمارة السلام ضرورة ملحة لتحويل المباني والمراكز السياسية والسكنية إلى منصات حية تضمن استدامة السلم الأهلي والوئام الاجتماعي.
تلعب الهندسة المكانية لطاولات المفاوضات وقاعات المؤتمرات ومقرات توقيع المعاهدات دورًا حاسمًا في إنجاح أو إخفاق الدبلوماسية. فالدراسات في مجال العمران السياسي تثبت أن حركة الإضاءة الطبيعية، ونفاذية الرؤية، وتوزيع المقاعد بشكل دائري ومفتوح بدون تراتبية سلطوية حادة، تساهم بشكل مباشر في تخفيض مستويات التوتر النفسي بين الوفود المتفاوضة وتزيد من مرونة التنازلات السياسية.
إن اختيار مواقع المباني التي تحتضن اتفاقيات السلام الدولية وتصميمها المعماري ينبغي ألا يكون عشوائيًّا، بل يتطلب تخطيطًا عمرانيًّا مستوعبًا للبعد النفسي والتاريخي. عندما تُعقد الاتفاقيات في مبانٍ تتمتع بجماليات بيئية وخطوط بصرية منفتحة على الطبيعة، يتحول الفضاء المعماري من مجرد سجن جاف للبروتوكولات إلى محفز حقيقي لنزع فتيل النزاعات وبناء التوافقات العابرة للحدود.
لقد شهد العالم نماذج دولية بارزة استثمرت عمارة السلام لإحلال الاستقرار وتجسيد اتفاقيات السلام الدولية. ففي جنيف ونيويورك، أُنشئت مقرات دولية تعتمد على الزجاج الشفاف للتعبير عن المكاشفة والمساواة، وفي جنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية تم تحويل معتقلات ومناطق تماس سابقة إلى متاحف سلام ومراكز حوار مجتمعي. لكن نقل هذه التجارب يتطلب حساسية عالية تجاه خصوصية الحالة الليبية التي تتميز بنسيج اجتماعي قبلي وثقافة بصرية متجذرة في العمارة الإسلامية والمحليات الصحراوية والساحلية.
إن إسقاط عمارة السلام على المدن الليبية كبنغازي، وطرابلس، وسرت، ودرنة يعني الابتعاد عن استيراد النماذج الزجاجية العالية المستغربة، والتركيز على العمارة التشاركية التي تعيد إحياء السقيفة والفناء الداخلي والمجلس كفضاءات آمنة للمفاوضات والمصالحة الوطنية، مما يجعل عملية إعادة الإعمار أداة سياسية وعمرانية جامعة.
لمتابعة وتقييم نجاح عمارة السلام على الأرض، ينبغي الاستناد إلى مؤشرات أداء كمية ونوعية دقيقة. تشمل هذه المؤشرات مؤشر النفاذية الاجتماعية للمبنى (مدى سهولة وصول كافة فئات المجتمع إليه)، المباني كمُحيد للنزاع: عندما تخلو البيئة الحضرية من المعالم العازلة أو المباني المعبرة عن الهيمنة، تُسهم في تعزيز الثقة بين الأطراف المتصارعة.
ومعدل الاستخدام التشاركي (كثافة الأنشطة الأهلية المقامة داخل الفضاء العام)، ومؤشر انخفاض الحوادث والاحتقان في المحيط العمراني، بالإضافة إلى نسبة المكون المحلي في مواد البناء والتنفيذ. كما أن البنية التحتية الداعمة للاتفاقيات: توفير فضاءات مشتركة ومؤسسات ذات رمزية وطنية محايدة يمنع انهيار الهدن السياسية، حيث يُمثل المكان تجسيدًا مرئيًّا ومستقرًّا لالتزام جميع الأطراف بالسلم.
أما على مستوى التوصيات والسياسات العامة، فإننا ندعو مؤسسات التخطيط العمراني والبلديات في ليبيا إلى إدراج كود عمارة السلام ضمن الاشتراطات التنظيمية لتراخيص البناء وإعادة الإعمار. كما نوصي بتخصيص ميزانيات لدعم الأبحاث المعمارية المتخصصة في العمران السياسي، وتشجيع المستثمرين والمطورين العقاريين على تبني حلول الدمج والتصميم التشاركي لتحقيق التنمية الشاملة والسلم المستدام.
في الختام، تجسد عمارة السلام جسرًا هندسيًّا وإنسانيًّا يربط بين نصوص اتفاقيات السلام الدولية وواقع الشعوب على الأرض. إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تقاس بعدد الطوابق الخرسانية أو ارتفاع الأبراج، بل بقدرة المباني والفضاءات العمرانية على كسر عزلة النفوس وإعادة بناء الأمل والوفاق الوطني.
إن تطبيق هذه الفلسفة المعمارية في ليبيا بوعي وحرفية يشكل فرصة تاريخية للعبور نحو مستقبل آمن ومزدهر. فعندما تُصمم المدن والمباني بروح السلام، تتحول الحجارة إلى حراس للعدالة، وتغدو الأحياء السكنية حصونًا منيعة ضد تجدد النزاعات، لتظل مدننا معلمًا حضاريًّا ينبض بالسلام والحياة.
