المرض ورحلة العلاج في غياب النظام الصحي

بقلم/ د.علي المبروك أبوقرين
حين يغيب النظام الصحي يختفي ما كان يحمي الإنسان من المرض ويكتشف المريض عند أول وعكة أن المرض لم يعد وحده مشكلته وأن رحلة البحث عن العلاج أصعب من المرض نفسه وأن ما كان يفترض أن يكون طريقا واضحا من الوقاية إلى التشخيص والعلاج والتأهيل يتحول إلى متاهة طويلة من الأبواب المغلقة والأرقام المتضاربة والمواعيد المؤجلة والفحوصات المكررة والأدوية الناقصة والمغشوشة والمرافق المتعثرة والقرارات الفردية والاجتهادات المتناثرة حتى يصبح الإنسان في لحظة ضعفه مضطرا إلى أن يكون طبيبا لنفسه وباحثا عن المستشفى ومفتشا عن الدواء ومفاوضا على السعر ومسؤولا عن تدبير المال ومطاردًا لكل احتمال للنجاة في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون فيه كل همه أن يتعافى. في غياب النظام الصحي لا يعود المرض حادثا صحيا عارضا في حياة الإنسان إنما يتحول إلى رحلة طويلة قد تبدأ بعرض بسيط كان يمكن اكتشاف سببه في مركز صحي قريب، وتنتهي بمضاعفات كان يمكن منعها لو وجدت الرعاية الأولية ولو وجد طبيب الأسرة ولو وجدت المختبرات القادرة على التشخيص ولو وجد نظام إحالة واضح ولو كانت هناك متابعة مستمرة ولو كان هناك سجل صحي يعرف تاريخ المريض قبل أن يصل إلى المستشفى، فالنظام الصحي الحقيقي لا يبدأ عندما يمرض الإنسان ولا يبدأ من باب المستشفى وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير يبدأ من الماء والغذاء والبيئة والتعليم والتطعيم والترصد الوبائي والكشف المبكر والتوعية ونمط الحياة والرعاية الأولية ثم يمتد إلى التشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية طويلة الأمد وعندما تنهار هذه السلسلة يسقط الأمن الصحي كله. ولهذا فإن غياب النظام الصحي لا يعني فقط نقص الأطباء أو إغلاق المستشفيات أو نقص الأدوية إنه يعني غياب العقل الذي ينظم رحلة الإنسان داخل الصحة والمرض، ويعرف أين يبدأ وأين يذهب ومتى يحال ومن يتابعه وما الذي يحتاجه وكيف تضمن استمرارية علاجه ومن يتحمل تكلفته وكيف تمنع أن يتحول المرض إلى فقر وكيف تمنع الفقر من أن يتحول إلى مرض وكيف تمنع المرض من أن يتحول إلى عجز وتمنع العجز من أن يتحول إلى فقدان للعمل والدخل والاستقلال والكرامة. وحين يغيب هذا النظام يصبح كل إنسان معرضا لأن يدفع ثمن انهياره، حتى الأمراض التي اختفت منذ عقود يمكن أن تجد طريقها من جديد حين تختفي برامج الوقاية والتطعيم والترصد والمختبرات والصحة البيئية والصحة المدرسية والصحة المهنية، وحين تضعف قدرة الدولة على اكتشاف الخطر قبل أن يصبح وباء، وحين تتراجع الصحة العامة من وظيفة أساسية للدولة إلى إجراءات متفرقة وردود أفعال متأخرة، فالمرض لا يحتاج إلى إذن كي يعود والوباء لا ينتظر اكتمال المؤسسات والجراثيم لا تعترف بالانقسام الإداري والفيروسات لا تقرأ القوانين والأمراض لا تعرف حدود الحكومات. وفي غياب الرعاية الصحية الأولية يفقد المجتمع خط دفاعه الأول ذلك الخط الذي كان يستطيع أن يلتقط المرض في بدايته قبل أن يكبر ،ويكتشف ارتفاع ضغط الدم قبل أن يتحول إلى جلطة، ويكتشف السكري قبل أن ينهك الكلى والأوعية والأعصاب ويكتشف السرطان في مرحلة يمكن علاجها، ويتابع الطفل قبل أن تتراكم مشكلاته الصحية ويتابع المرأة قبل أن تصبح مضاعفات الحمل كارثة ويتابع المسن قبل أن يفقد استقلاله، فالرعاية الأولية ليست عيادة صغيرة ولا طبيبا ينتظر المرضى إنها فلسفة كاملة تقول إن أفضل علاج للإنسان هو أن نحميه قبل أن يحتاج إلى المستشفى، وأن أقرب خدمة صحية إلى الإنسان يجب أن تكون أقرب من المرض نفسه، لكن عندما تغيب هذه الفلسفة يبدأ المرض في السفر داخل الجسد بينما يسافر المريض بين المدن والمرافق والأطباء والعيادات والمختبرات بحثا عن تفسير لما يحدث له، وقد يمر الوقت الذي كان يمكن أن يصنع الفارق ثم يصل إلى المستشفى في مرحلة متأخرة فيصبح العلاج أطول وأكثر تعقيدا وأكثر تكلفة وأكثر ألما وربما أقل نجاحا، وما كان يمكن علاجه في بدايته يصبح مرضا مزمنا وما كان يمكن السيطرة عليه يصبح مضاعفة وما كان يمكن منعه يصبح عجزا وما كان يمكن أن يبقي الإنسان منتجا ومستقلا قد ينتهي به إلى سرير أو كرسي أو الاعتماد على الآخرين. وهنا تتغير معنى كلمة العلاج نفسها ففي النظام الصحي العلاج خدمة منظمة ومسؤولية مهنية وحق إنساني ومسار له بداية واضحة وخطوات معروفة ونتيجة تقاس، أما في غياب النظام الصحي فقد تتحول كلمة العلاج إلى مطاردة فالإنسان لا يطارد المرض فقط إنما يطارد الموعد والطبيب ويطارد تحليلا وجهازا ودواء وسريرا ويطارد من يستطيع أن يساعده ويطارد المال الذي يدفع به ثمن كل ذلك وكلما تقدم في الرحلة اكتشف أن المشكلة ليست في المرض وإنما في الطريق الذي يسلكه للوصول إلى الشفاء. وقد يكون أقسى ما في هذه الرحلة أن المريض لا يدخلها متساويا مع الآخرين فالذي يملك المال يجد طريقا أقصر والذي يملك النفوذ يجد بابا آخر والذي يملك العلاقات يجد من يختصر له المسافة والذي يملك بوليصة التأمين يجد قدرة على الوصول كالسيارة حسب النوع وسنة الصنع والذي لا يملك شيئا قد يقف أمام المرض أعزل إلا من رحمة الله، وتصبح القدرة على الوصول إلى العلاج مرتبطة بما يملك الإنسان لا بما يحتاجه وتتحول العدالة الصحية من حق إلى امتياز. عندها يدخل السوق إلى أكثر اللحظات هشاشة في حياة الإنسان لحظة المرض ويصبح الألم فرصة تجارية ويصبح الخوف من فقدان الحياة أو العجز قوة تفاوضية غير متكافئة والمريض لا يملك رفاهية الانتظار ولا القدرة على المقارنة ولا الوقت الكافي لدراسة البدائل وقد يبيع ما يملك ويقترض ويستدين ويستنزف مدخراته وربما يبيع بيته أو أرضه أو مصدر رزقه لا لأنه اختار ذلك وإنما لأنه لم يجد نظام صحي يقف بينه وبين المرض. وهكذا يصبح المرض مرضين مرضا يسكن الجسد ومرضا يسكن حياة الإنسان الأول يحتاج إلى طبيب والثاني يحتاج إلى نظام صحي والكارثة أن الثاني قد يكون أحيانا أشد فتكا من الأول لأن المرض يمكن أن يعالج بينما الاستنزاف قد يلتهم الأسرة كلها وقد يتحول علاج شخص واحد إلى انهيار اقتصادي لعائلة كاملة ويترك الأبناء دراستهم وتتراكم الديون ويفقد أحد الوالدين عمله ليتفرغ لرعاية المريض ويتحول المنزل إلى مستشفى صغير ويصبح كل يوم جديد من المرض فاتورة جديدة من الخوف. والأكثر قسوة أن رحلة العلاج تستهلك الزمن نفسه والزمن في بعض الأمراض ليس مجرد ساعات وأيام وإنما جزء من العلاج فالتشخيص المتأخر يعني فرصة أقل والانتظار يعني مضاعفات والتأخر في الدواء يعني انتكاسة وتعطل الإحالة يعني فقدان نافذة علاجية والسفر من مدينة إلى أخرى يوما ضائعا من عمر مريض وربما شهرا من عمر آخر ولذلك فإن انهيار النظام الصحي لا يسرق المال فقط وإنما يسرق الوقت والوقت حين يتعلق بالصحة لا يمكن استعادته. وفي بلد غني بالموارد وقليل السكان تصبح المأساة أكثر إيلاما لأنه كيف يصبح المواطن الذي يفترض أن يكون محميا بثروة بلده مضطرا إلى البحث عن علاج في فوضى اسواق الصحة أو خارج بلده بأسعار تفوق قدرته أو عبر التبرعات أو الجمعيات الخيرية أو الاقتراض أو بيع ما يملك وكيف يمكن أن تصبح الأمراض التي كان يمكن الوقاية منها والأمراض التي كان يمكن علاجها مبكرا سببا في فقر الأسر وفقدان العمل والإعاقة والموت المبكر. ليبيا لا تواجه أزمة مستشفى وأزمة دواء ولا أزمة أطباء إنها تواجه فقدان النظام الصحي الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم وظائفها الأساسية لأن الصحة ليست مجموعة مبان وأجهزة وأطباء وإنما نظام وطني متكامل له سياسة وتمويل وتشريع وحوكمة وبيانات وترصد ومختبرات ورعاية أولية ومستشفيات وإسعاف ودواء وتأهيل وتمريض وصحة عامة وقوى عاملة مؤهلة وسلاسل إمداد وإحالة ومعلومات وجودة وسلامة ومساءلة واستمرارية وعندما تتفكك هذه العناصر لا يمكن لأي مستشفى منفرد ولا لأي طبيب مهما كان متميزا أن يعوض غياب النظام. وحين يغيب النظام يصبح الإنسان محاصرا بين مرضه وبين جغرافيا العلاج فقد يكون الطبيب موجودا ولكن في مدينة أخرى والجهاز موجودا ولكن معطلا وقد يكون الدواء موجودا ولكن لا يستطيع شراءه وقد يكون المركز مفتوحا ولكن بلا مختبر والمستشفى قائما ولكن بلا قدرة تشغيلية وقد يكون الاختصاصي موجودا ولكن لا يوجد نظام إحالة يوصل إليه المريض في الوقت المناسب وهكذا تتحول الخريطة الصحية إلى خريطة غير عادلة يصبح فيها عنوان الإنسان أحيانا عاملا في فرصته للنجاة. والأخطر أن الفوضى الصحية تولد فوضى معرفية أيضا حين لا توجد سجلات وطنية موثوقة ولا مسارات علاجية ولا بروتوكولات ولا رقابة ولا اعتماد ولا قياس للجودة يصبح القرار الطبي أكثر عرضة للاجتهاد غير المنضبط وتزداد الفحوصات المتكررة وتختلف الآراء وتتضارب الوصفات ويتنقل المريض من طبيب إلى آخر حاملا ملفا أكبر من قدرته وأحيانا يحمل نتائج كثيرة دون أن يحمل أحد صورة متكاملة عن قصته المرضية، وهنا يتحول المريض إلى مدير أزمة صحية شخصية وهذه واحدة من أقسى نتائج انهيار النظام أن الإنسان في أكثر لحظات حياته ضعفا يضطر إلى القيام بالعمل الذي كان يجب أن يقوم به النظام الصحي نيابة عنه، إن رحلة المرض في غياب النظام الصحي هي رحلة استنزاف يبدأ فيها الإنسان برصيده الصحي ثم يدفع من رصيده النفسي ورصيده المالي ومن وقته وعمله ومن استقلاله وكرامته وفي كل محطة يدفع شيئا جديدا حتى قد يصل إلى نهاية الطريق وقد شفي من المرض الأول لكنه خرج بأمراض أخرى صنعتها الرحلة نفسها من القلق والاكتئاب والإرهاق والفقر والديون وفقدان العمل والعزلة والاعتماد على الآخرين. ولهذا فإن بناء النظام الصحي القوي والموحد والعادل هو مشروع لحماية الإنسان من أن يتحول المرض إلى مصير اجتماعي واقتصادي وأن تتحول الصحة إلى سلعة وأن تتحول الحاجة إلى فرصة للابتزاز ويصبح العلاج مرهونا بالقدرة المالية والنفوذ والواسطة. الصحة ليست مكافأة للأغنياء ولا امتيازا لأصحاب النفوذ ولا منحة لمن يستطيع الوصول وإنما حق أصيل من حقوق الإنسان ومسؤولية سيادية للدولة. ولذلك فإن استعادة الصحة في ليبيا تبدأ باستعادة فكرة النظام نفسها أن نعرف ماذا نريد وأن نبني سياسة صحية وطنية وأن نعيد تأسيس الرعاية الصحية الأولية وأن نستعيد الصحة العامة وأن نبني شبكة مستشفيات قادرة على العمل وأن نوحد منظومة الدواء والتجهيز والتشغيل وأن نبني القوى العاملة الصحية على أساس علمي وأن نعيد التعليم الطبي والتدريب السريري إلى مكانهما وأن نضع البيانات والسجلات والترصد والرقمنة في قلب القرار وأن نجعل الجودة والسلامة والمساءلة جزءا من بنية النظام. فالمرض قدر قد يصيب الإنسان لكن تحول المرض إلى مأساة ليس قدرا دائما وقد لا نستطيع أن نمنع كل مرض لكن نستطيع أن نمنع كثيرا من أسبابه وأن نكتشف كثيرا منه مبكرا وأن نعالج كثيرا منه بكفاءة وأن نخفف كثيرا من مضاعفاته وأن نحمي الأسرة من الانهيار المالي وأن نحفظ للمريض كرامته واستقلاله وقدرته على العودة إلى حياته وعمله ومجتمعه. عندما ينهار النظام الصحي لا يمرض المرضى وحدهم إنما يمرض المجتمع كله لأن صحة الإنسان هي صحة الأسرة وصحة المجتمع والمجتمع هو قوة الدولة وإنتاجها واستقرارها ومستقبلها ولذلك فإن إعادة بناء النظام الصحي واجب دولة مسؤولة. فالإنسان عندما يمرض لا يحتاج إلى سوق يبحث فيه عن نجاته ولا إلى متاهة يثبت فيها قدرته على الصمود ولا إلى سباق مع الزمن والمال والعلاقات، إنه يحتاج إلى نظام يعرفه ويحميه ويقوده ويعالجه ويعيده إلى صحته ويصون كرامته.
