مقالات الرأي

عندما يصبح الانقسام أقل كلفة من التسوية



بقلم / فرج بوخروبة

في ليبيا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو: أين يوجد الحل؟ فقد قيلت الحلول كلها تقريبًا، وتبدلت خرائط الطريق، وتوالت المبادرات، وعُقدت المؤتمرات واللقاءات، وامتلأت الملفات السياسية بتصورات تكفي، لو تحولت إلى واقع، لإعادة بناء دولة كاملة. ومع ذلك بقيت البلاد في مكانها، بل أخذت تدفع -مع مرور الوقت- ثمنًا أكبر: اقتصادًا يضيق على الناس، ومؤسسات تفقد معناها، وأمنًا يقوم على موازين القوة أكثر مما يقوم على القانون، وسياسة تحولت فيها المرحلة المؤقتة إلى نمط دائم للحكم. وربما آن الأوان لأن نقلب السؤال رأسًا على عقب: ماذا لو كانت المشكلة في ليبيا ليست غياب الحل، وإنما ارتفاع ثمنه بالنسبة إلى الذين يملكون القدرة على تنفيذه؟

هذه الزاوية تبدو أكثر قسوة، لكنها أكثر صدقًا مع الواقع. فالشعب الليبي يريد دولة مستقرة وانتخابات ومؤسسات موحدة، وهذا ليس موضع خلاف، لكنه لا يملك وحده الأدوات التي تحول الإرادة إلى قرار نافذ. والمجتمع الدولي يستطيع أن يقترح ويرعى ويضغط، لكنه لا يستطيع أن يفرض استقرارًا دائمًا على أرض لا تتوافق مراكز القوة فيها على قواعده. أما أصحاب النفوذ الفعلي، فهم وحدهم تقريبًا الذين يستطيعون فتح الطريق أو إغلاقه، ولذلك فإن تجاهلهم في أي مشروع للحل ليس موقفًا مبدئيًّا بقدر ما هو تجاهل للمعادلة التي تحكم الواقع.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني التسليم لهم بمستقبل البلاد، ولا تحويل الأمر الواقع إلى شرعية أبدية، وإنما يعني شيئًا أكثر تعقيدًا: البحث عن صيغة تجعل مصلحة أصحاب القوة مرتبطة، لأول مرة، بقيام الدولة لا باستمرار هشاشتها. هنا تكمن العقدة الحقيقية.

لقد أمكن التعايش مع الانقسام لأن كلفته، حتى الآن، لم تكن موزعة بالتساوي. المواطن يدفع من دخله وقوته الشرائية واستقراره ومستقبل أبنائه، بينما تستطيع مراكز النفوذ أن تتكيف مع الأزمة، بل وأن تبني داخلها أدوات للبقاء. ولذلك فإن مطالبة الجميع بالتنازل من أجل الوطن، مهما كانت نبيلة، لا تكفي. السياسة لا تتحرك بالنوايا وحدها، وإنما بحسابات المصالح والخسائر. وما لم يصبح استمرار الانقسام أكثر كلفة على الأطراف المتنافسة من قبول تسوية حقيقية، فستظل الدعوات إلى إنهاء الأزمة أشبه بمن يطلب من شخص أن يتخلى طوعًا عن امتياز لم يُجبر بعد على دفع ثمن الاحتفاظ به.

من هنا يجب أن تبدأ التسوية الليبية المقبلة، إن أريد لها أن تكون مختلفة عن سابقاتها: ليس من سؤال من يحكم، بل من سؤال كيف يتوقف الجميع عن استخدام الدولة كساحة صراع. النفط يجب أن يتحول من مصدر لتمويل الانقسام إلى قاعدة لاتفاق وطني واضح على الإنفاق والتوزيع والرقابة. والمؤسسات السيادية لا ينبغي أن تبقى جوائز في مفاوضات النفوذ. والأمن لا يمكن أن يستمر باعتباره شبكة من التفاهمات المؤقتة بين القوى المسلحة، بل يجب أن يبدأ، ولو تدريجيًّا، في الانتقال من منطق الحماية الخاصة إلى منطق المؤسسة العامة.

والأهم من ذلك كله أن تكون هناك نهاية محددة للمرحلة الانتقالية، لا مرحلة انتقالية جديدة باسم مختلف. فالتسوية التي لا تملك ساعة تنتهي عندها تتحول بسهولة إلى صيغة أخرى من صيغ التمديد. وقد يكون أكثر ما تحتاجه ليبيا الآن هو اتفاق لا يطلب من أي طرف أن يخسر وجوده دفعة واحدة، وإنما يطلب من الجميع أن يقبلوا بتحويل وجودهم من قوة تعطل الدولة إلى قوة تساعد على انتقالها.

وهذا يتطلب ضمانات حقيقية، وترتيبات واضحة، وتدرجًا محسوبًا، لأن أحدًا من الأطراف لن يقبل، واقعيًّا، أن يدخل إلى المجهول اعتمادًا على حسن النوايا. لكن الضمانات يجب ألا تكون غطاءً لاستمرار الوضع القائم، بل جسرًا للخروج منه. والانتخابات، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون نقطة البداية التي نعلق عليها كل شيء، وإنما نتيجة طبيعية لتسوية تسبقها وتؤسس لشروطها.

فالصندوق لا يستطيع وحده أن يحل أزمة مؤسسات متنازع عليها، ولا يستطيع أن يمنح شرعية مستقرة إذا كان الخاسر قادرًا على رفض النتيجة بقوة السلاح أو النفوذ. لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية ليس القفز مباشرة إلى لحظة الانتخابات، بل بناء التوافق الذي يجعل نتائجها قابلة للحياة.

قد لا يكون هذا المسار جميلًا، وقد لا يرضي الذين يريدون حلًّا نظيفًا وسريعًا، لكنه أكثر واقعية من انتظار انهيار أحد المعسكرين، وأكثر أمانًا من إعادة إنتاج الانتخابات قبل توفير شروط قبول نتائجها. ليبيا لا تحتاج اليوم إلى انتصار طرف على طرف، لأن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن انتصار أي طرف بالقوة لا ينتج دولة، بل يعيد إنتاج الصراع في صورة أخرى.

ما تحتاجه هو لحظة يكتشف فيها المتنافسون أن بقاءهم في دولة ناقصة أصبح أكثر خطرًا عليهم من قبولهم بدولة كاملة، وأن الثروة التي يتنافسون عليها ستصبح أكبر وأكثر استدامة حين تُدار عبر مؤسسات مستقرة، وأن السلطة التي يحاول كل طرف احتكارها تصبح أقل هشاشة حين تستند إلى قواعد يعرف الجميع حدودها.

عندها فقط يمكن أن تتحول التسوية من صفقة مؤقتة إلى بداية مسار تاريخي مختلف. وربما تكون هذه هي الحقيقة التي تأخرنا كثيرًا في مواجهتها: ليس المطلوب أن نبحث عن لاعبين جدد في اللحظة التي لا يستطيع فيها أحد تجاوز اللاعبين الموجودين، ولا أن ننتظر معجزة شعبية لا تملك أدواتها، ولا أن نعتمد على الخارج كي يصنع لنا دولة من دون اتفاق ليبي حقيقي.

المطلوب أن نجعل أصحاب القرار الفعليين يكتشفون أن ثمن الدولة، مهما بدا ثقيلًا، أقل من ثمن استمرار غيابها. فإذا نجحنا في ذلك، تصبح التسوية بداية الخروج من الأزمة، وتصبح الانتخابات وسيلة لبناء الشرعية لا وسيلة جديدة لإنتاج الصراع. أما إذا بقي الجميع يحسبون ثمن التنازل ولا يحسبون ثمن الانهيار، فستواصل ليبيا دفع الفاتورة نفسها، وسيبقى السؤال عن الحل قائمًا، بينما يكون الحل الحقيقي أمام الجميع، لكن ثمنه لم يصبح، بعد، أعلى من ثمن بقائه غائبًا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى