مقالات الرأي

المقاومة اللبنانية بين واقع إقليمي متردٍّ والصبر الاستراتيجي ـ الجزء الأول



بقلم/ محمد نبيغ

من 1948 إلى معادلة الردع الهش: لا يمكن فصل مسيرة التضحيات اللبنانية، منذ عام 1948 وحتى اليوم، عن التحولات الكبرى التي عصفت بالنظام الإقليمي العربي، بل عن التحولات في بنية الصراع الدولي نفسه. فلبنان، بموقعه الجغرافي والسياسي الحساس، لم يكن مجرد متفرج على الصراع، بل كان ساحة مفتوحة لتداعياته، حيث تداخلت الحروب والاحتلالات والتدخلات الدولية لتجعله في قلب واحدة من أكثر بؤر التوتر تعقيدًا في العالم. ومن هنا، فإن قراءة التاريخ اللبناني بوصفه تاريخ مقاومة فقط، أو تاريخ دولة فقط، هي قراءة مبتورة؛ فالحقيقة الأعمق تكمن في التفاعل الجدلي بين ثلاثة عناصر: الدولة التي تمثل المؤسسة والشرعية والقرار السيادي، والمجتمع الذي يدفع الثمن البشري والاقتصادي الأثقل، والمقاومة التي نشأت كردِّ فعل وجودي على الاحتلال والعدوان، ولكنها سرعان ما تحولت إلى لاعب رئيسي في معادلة القوى الإقليمية.

لبنان في قلب الصراع: من 1948 إلى نشوء المقاومة

منذ نكبة فلسطين عام 1948، وجد لبنان نفسه في مواجهة مباشرة مع تبعات القضية الفلسطينية؛ فقد تحمّل أعباء موجات اللجوء المتتالية، وانعكاساتها على نسيجه الداخلي الهش والمتنوع طائفيًّا، فيما تحول الجنوب اللبناني، بحكم الجوار الجغرافي، إلى شريط حدودي مكشوف أمام الاعتداءات والعمليات العسكرية المتكررة من الكيان الصهيوني. وهكذا، دفع لبنان ثمنًا باهظًا لم يستطع الانفصال عنه، ليس فقط لأنه جزء من الأمة، بل لأن جغرافيته كانت ترسم ملامح الصراع، وكان أهله، خاصة في القرى الحدودية، في طليعة من عانى ويلات الحرب، والخوف، والنزوح، والدمار، حيث تحولت البيوت إلى أكوام حجارة، والبيادر إلى أطلال شاهدة على همجية العدو.

ومع تصاعد الاجتياحات، بدءًا من اجتياح 1978، وصولًا إلى الاجتياح الكبير عام 1982 الذي طال بيروت وفرض حصارًا عليها، لم يعد الاحتلال مجرد وجود عسكري مؤقت، بل تحوَّل إلى واقع سياسي وأمني واجتماعي فرض على اللبنانيين إعادة تعريف مفاهيم السيادة والدفاع. وفي هذا السياق العصيب، تطورت المقاومة تدريجيًّا من خلايا ونشاطات وطنية متفرقة، إلى قوة عسكرية أكثر تنظيمًا، قادرة على الصمود والاستمرار، وإن كان ذلك على حساب خزين هائل من الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين، الذين حوَّلوا الجغرافيا اللبنانية إلى أرض محفورة بذاكرة الألم والعطاء، وإلى مدرسة وطنية في التضحية لا تنسى أبناءها.

عام 2000: لحظة الانسحاب وولادة معادلة الردع الهش: جاء عام 2000 ليُشكِّل منعطفًا تاريخيًّا فارقًا، حين انسحبت القوات الصهيونية من معظم الأراضي التي احتلتها في الجنوب، تاركةً خلفها ملفَّات عالقة، أبرزها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. لكن الانسحاب، رغم أهميته السياسية والإعلامية، لم ينهِ الصراع، بل نقله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ إذ تحولت المواجهة من مواجهة احتلال مباشر إلى معادلات ردع واشتباك غير مباشر، أصبحت فيها المقاومة جزءًا من المعادلة الأمنية والسياسية الداخلية، في وقت ظلت فيه الدولة اللبنانية تواجه تحديات وجودية ثلاثية: كيف تحافظ على سيادتها في ظل هذا الواقع الجديد؟ وكيف تستطيع إدارة ملفاتها الدولية الدبلوماسية مع بقاء سلاح المقاومة خارج إطار القرار الرسمي الموحَّد؟ وكيف توفق بين التزاماتها الدولية بموجب القرارات الأممية وواجبها في تحرير ما تبقى من أرضها؟ هذه الأسئلة ستظل معلقة دون إجابات حاسمة، ما جعل معادلة الردع التي ولدت في تلك اللحظة هشة وقابلة للاهتزاز.

حرب تموز 2006: التفوق التكنولوجي لا يصنع النصر السياسي: أثبتت حرب تموز 2006، التي استمرت 34 يومًا من القصف والدمار، أن التفوق التكنولوجي والعسكري الهائل لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية الاستراتيجية، حين يصطدم بخصم يعتمد على المرونة في الانتشار، والقدرة العالية على تحمل الخسائر، والتماسك المجتمعي في وجه العدوان. دفع لبنان في تلك الحرب ثمنًا غير مسبوق، لم يقتصر على الأرواح والبنية التحتية، بل طال النسيج الاقتصادي والاجتماعي بالكامل، حيث خسر القطاع السياحي، وتوقفت عجلة الإنتاج، وتهدمت مئات المصانع والمؤسسات الصغيرة. ورغم أن القرار 1701 أوقف إطلاق النار ورسم إطارًا سياسيًّا وقانونيًّا جديدًا، فإنه ترك إشكالات تطبيقية كبرى، من الخروقات الجوية والبحرية اليومية، إلى ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، ما جعل المنطقة ترزح تحت توازنات ردع هشَّة، كاشفةً عن حقيقة صارخة في فن الحرب: قدرتك على تدمير العدو لا تعني قدرتك على إخضاع إرادته، وقدرتك على توجيه الضربات لا تعني قدرتك على فرض شروطك السياسية على طاولة المفاوضات.

زر الذهاب إلى الأعلى