مقالات الرأي

الاغتيال الإلكتروني وجيوش الوهم


بقلم / عفاف الفرجاني

دخلت معترك العمل الصحفي المتخصص في الشأن السياسي، وأنا أعرف أن هذا الطريق ليس سهلا، وأن من يختار الاقتراب من الملفات الحساسة عليه أن يتوقع النقد والهجوم والاختلاف. لكنني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى محاولة اغتيالي إلكترونيا.

بدأت أواجه صورا مصنوعة أو محورة بالذكاء الاصطناعي، يتم توظيفها بطريقة مقصودة لتقديم صورة لا تمثلني ولا تعكس حقيقتي. صحيح أن الأمر معي لم يتطور إلى مشاهد فاضحة أو حملات كبرى، لكنني رأيت نماذج أخرى استُخدمت ضد زميلات لي، وهنا بدأت أفهم خطورة ما يحدث.

فالمسألة ليست صورة مزيفة فحسب، وليست مجرد عبث إلكتروني. إنها محاولة لضرب المرأة في أكثر المناطق حساسية داخل مجتمع شرقي محافظ  ،صورتها، وسمعتها، ومكانتها الاجتماعية.

وهنا أتوقف عند السؤال الأكبر، ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة للاغتيال؟

لقد عرفنا الاغتيال بالرصاص، وعرفنا الاغتيال السياسي، وعرفنا تصفية الخصوم جسديا. أما اليوم فنحن أمام شكل آخر لا يحتاج إلى سلاح ناري. يكفي أن تصنع صورة كاذبة، أو تركب مقطعا، أو تحرف صوتا، ثم تطلقه في الفضاء الإلكتروني.

والأخطر أن الاغتيال الإلكتروني لم يعد يستهدف الأفراد فقط، بل أصبح جزءا من الصراع السياسي نفسه. فالكثير من الخصوم السياسيين يمكن تصفيتهم معنويا عبر حملات منظمة هدفها تشويه صورتهم، تكذيب روايتهم، وتحويل النقاش من مضمون ما يقولون إلى شخصهم وسلوكهم وسمعتهم.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ (الجيش الإلكتروني )

حسابات تتحرك في توقيت واحد، وتعليقات تتكرر بالعبارات ذاتها، وحملات تستهدف شخصا بعينه حتى يشعر أنه محاصر، وأن كل كلمة يقولها ستتحول إلى مناسبة للهجوم عليه.

وأحيانا لا يكون الهدف إقناع الناس بعكس الحقيقة، بل إرهاق صاحبها حتى يصمت.

أن تجعل الإنسان يخجل من الكلام، يتردد في الظهور، يخاف من التعليقات، أو يشعر أن معركته خاسرة مهما قال ، تلك أيضا طريقة لإسكات الصوت.

وهناك أسماء معروفة تتحدث عن قضايا عامة وملفات سياسية، تتعرض بصورة متكررة لهذا النوع من الحملات، ومن أمثلة العنف الرقمي الذي تتعرض له النساء والصحفيات تحديدا في المجال العام، ما وثقته مؤسسة أريج من حالات في عدد من الدول العربية، شملت حملات تشويه وتشهير وتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستهدافا للنساء بسبب آرائهن ومواقفهن وخاصة السياسة .

غير ذلك هذا الاغتيال الإلكتروني لا يستهدف النساء وحدهن. إنه يستهدف الرجال والنساء الذين يصرون على الكلام حين يكون الصمت أكثر أمانا، وعلى قول الحقيقة حين تصبح الحقيقة مزعجة لأصحاب النفوذ والمصالح.

لكن المرأة في مجتمعاتنا المحافظة قد تدفع ثمنا مضاعفا ، لأن استهدافها يمكن أن يتحول بسهولة إلى استهداف لسمعتها وعائلتها، بدلا من مناقشة أفكارها ومواقفها.

وهنا تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي حين يتحول من أداة للتطور إلى أداة للتشويه.

لم يعد المطلوب دائما أن تقتل صاحب الصوت ، يكفي أن تجعل الناس يشكون في صوته.

فالاغتيال الإلكتروني قد لا يقتل الإنسان جسدا، لكنه يحاول قتل صورته، ومصداقيته، وحضوره، وصوته أمام الناس

إلا أن في المقابل ،ليس الجميع يملك أسرارا يخشاها، وليس الجميع قابلا للابتزاز، لكن الإنسان في النهاية ليس آلة

قد يتحمل الكذب مرة، وعشر مرات، ومئة مرة، ثم تأتي اللحظة التي يسأل فيها نفسه لماذا أتحمل كل هذا

وهنا بالضبط تنجح عملية الاغتيال الإلكتروني ،حين لا تستطيع إسكات الحقيقة، تحاول أن تجعل صاحبها يندم على قولها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى