مقالات الرأي

حين تتراكم الأزمات.. إلى أين تمضي ليبيا؟


بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

كل الهموم والمصائب التي حلَّت بالشعب الليبي دفعة واحدة منذ عام 2011، تبدو اليوم وكأنها تعود على دفعات متتالية، في مشهد يعيد إلى الأذهان صورًا من سنوات الاحتلال الإيطالي، حين رافق الغزو الفقر والعوز والنزوح، ولا سيما إلى تونس ومصر، وبأعداد أقل إلى تشاد وبلدان الجنوب الليبي.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف فصول الجريمة التي طالت مقدرات الدولة ومؤسساتها. فقد أُحرق مطار طرابلس الدولي، ودُمِّر أسطول الشركة الأفريقية، الذي كان يضم طائرات حديثة، ومُسحت مرافق المطار، كما طال التدمير مطارات سبها والجفرة وسرت، في وقت جرى فيه الاستيلاء على حقول النفط والتحكم في الإنتاج، لتعود المؤامرة اليوم من جديد باستهداف مواقع الطاقة، كما حدث في خزانات النفط بالزاوية. وفي ظل هذه الأوضاع، تتحول طوابير السيارات إلى مشهد يومي مؤلم، بحثًا عن ربع خزان من البنزين، بينما يعاني أصحاب السيارات التجارية معاناة أشد، وهم مضطرون إلى البحث عما يمكن الحصول عليه من بقايا ما تركته لهم مافيات السوق السوداء.

ويعيش الليبيون في هذه الحالة واحدة من أسوأ مراحل حياتهم، حين يقترن هذا الانجراف في تدمير مقومات الحياة بتدمير الروح المعنوية، وبغياب الأمل في دولة يمكن أن توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة. والأخطر أن بعض من يملكون القرار السياسي والاقتصادي لا يبدو أنهم معنيون إلا بما يتبقى من الفتات، بينما يُترك المواطن في مستوى معيشي يقترب من حدود الفقر المدقع.

وتزداد الصورة غرابة في دولة أصبح السلوك السياسي فيها أكثر غرابة من خياراتها، عندما يصل سعر لتر الوقود المخصص لتشغيل المولدات الكهربائية المنزلية إلى ما بين سبعة وتسعة دنانير، في وقت يغرق فيه معظم البلاد في الظلام، وتتسع ساعات طرح الأحمال. ويزيد المشهد تعقيدًا ما نشهده من تباين وخلاف بين مؤسسة الكهرباء ورئاسة الحكومة، وقد يكون هذا التباين مفتعلًا أو حقيقيًّا؛ إذ يبدو أحيانًا أن كل طرف يحاول إبعاد لهيب الصيف عن مسؤوليته، فيما لا يجد المواطن أمامه سوى العتمة والانتظار.

لقد تجاوزت الأزمة حدود الاحتمال، وأصبح الأمر يتجه إلى أسوأ مما يمكن تفاديه، مع استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي، بما ينذر بانزلاق الدولة إلى هاوية اقتصادية واجتماعية أعمق. فقد أدارت منظومات الفساد ومراكز النفوذ الخارجة عن القانون جانبًا كبيرًا من المشهد، مستفيدة من حماية أو صمت من يملكون القدرة على إيقاف هذا العبث، بينما تتواصل السيطرة على مفاصل الدولة دون توقف.

وفي المقابل، يعيش الشعب حالة من التخدير السياسي والاجتماعي، تدفعه إلى الارتكان إلى الخوف والصمت، حتى وهو يطحنه الفقر والحرمان. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: إلى متى يستطيع المواطن أن يتحمل كل ذلك قبل أن تتحول العتمة التي تحيط بحياته إلى موتٍ سياسي واقتصادي واجتماعي؟ ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من إدارة الأزمات، بل إلى وقف الانهيار واستعادة الدولة ومؤسساتها، وإعادة الاعتبار لثروتها الوطنية، ووضع مقدرات البلاد تحت إدارة مسؤولة تخدم المواطن، لا شبكات النفوذ والفساد. فحين يصبح الوقود أزمة، والكهرباء أزمة، والنقد أزمة، والأمن والسياسة أزمة، فإن الخطر لم يعد في أزمة واحدة، بل في منظومة انهيار متكاملة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى