مقالات الرأي

الربيع اليميني الساخن يلتهم الحديقة الخلفية!!


بقلم / جمال الجازوي

كنا رفقة القائد في رحلته التاريخية إلى منبر الأمم المتحدة في 2010 حيث ألقى خطابه الشهير الذي نبه فيه إلى المخاطر التي عصفت بعالمنا اليوم.

في اليوم التالي انتقلنا إلى فنزويلا حيث قمة “مارغريتا” لقادة أفريقيا- أمريكا اللاتينية التي أعلن فيها الزعيم الليبي طرحه التاريخي “الساتو” لتأسيس تحالف جنوب جنوب في وجه الهجمة الاستعمارية الجديدة، حيث نبه لمخاطرها ومن بين ما قاله: إن الاستعمار فتك بأفريقيا وما زال! وها هي رياح المؤامرة بدأ غبارها، وهي لن تقف عند أفريقيا، بل ستنتقل إلى الضفة الجنوبية للأطلنطي هنا في أمريكا اللاتينية أرض الثورة والتحرر!

واليوم!! نرى المؤامرة تعصف بأنظمة أمريكا اللاتينية التقدمية لتتهاوى أمامها واحدًا تلو الآخر!!!

بدأت الضربة في فنزويلا التي مهدت لها الظروف بالعملاء ومرض الزعيم تشافيز ثم رحيله بعد أن نالت المؤامرة من ليبيا وأطاحت بالقذافي لتسلك طريقها نحو أمريكا اللاتينية إن لم يكن بالحرب فبنسج خيوط التآمر والعملاء.

وبعد أن كان المعسكر الثوري في المنطقة ندًّا لمقاومة “اليانكي الإمبريالي” ويحول دون استباحتها، نرى اليوم تجسيد الرؤية الاستعمارية لـ “مبدأ مونرو” الذي يستأثر بأمريكا الجنوبية ويعتبرها الحديقة الخلفية للبيت الأبيض!!

ومنها اختراق رهيب للصهيونية عن طريق العملاء واليمين الفاشستي.. فالصهيونية تتوغل في أمريكا اللاتينية!! وبعد الإطاحة بالرئيس مادورو.. سواء “اختطافه أم تسليمه” ها هي الإدارة الترامبية الآن تعمل على “تدجين” وتطويع النظام البوليفاري الذي كان عصيًّا عليها لتفتح الباب على مصراعيه للتوغل الصهيوني سواء عن طريق الخارجية الأمريكية أم “فرق الإنقاذ” التابعة للموساد التي جاءت إلى فنزويلا لتستقبلهم الرئيسة وتمنحهم أرفع وسام بوليفاري!!

كل هذا التطور الدراماتيكي لم يأت اعتباطًا، بل حلقة وخطة متسلسلة ومحكمة التنفيذ. فبالأمس القريب تولى الصهيوني المتطرف خافيير ميللي رئاسة الأرجنتين لينهي بذلك زمنًا طويلًا من النهج التحرري للزعيم بيرون، لتتأثر بوليفيا المجاورة وتتم الإطاحة بالحكم الاشتراكي الثوري الذي استمر ما يقرب من عقدين من الزمن، وتستبدل منظومة الزعيم النقابي إيفو موراليس برئيس يميني متطرف اسمه رودريغو باث!! ويجد الزعيم موراليس نفسه وحزبه ملاحقًا قضائيًّا وسط تجريم وجود حزب “الحركة نحو الاشتراكية”!! ليلجأ أتباع موراليس لتأسيس تنظيم سياسي جديد تحت اسم “أيفو هو الشعب”!!

وتمتد خيوط المؤامرة لتطيح بالرئيس اليساري الشاب في تشيلي غابريل بوريك معاقبة له على دعم قضية فلسطين العادلة وقطع العلاقات مع دولة الكيان المحتل، ليتم تنصيب الرئيس اليميني الموالي لترامب أنطونيو كاست!! الذي بدوره ألغى كل سياسات سلفه الداعمة للقضية الفلسطينية.

وليس ببعيد عن تشيلي وبوليفيا.. هناك في بيرو.. يتمدد اليمين الترامبي لدعم ذات الأصل الياباني “فوجيموري” ابنة الرئيس الأسبق صاحب قصة النفق الشهيرة للسفارة اليابانية في بلاده عام 97 وإنقاذ رهائن احتجزتهم إحدى الفصائل الثورية في البيروانية احتجاجًا على دعم حكومة اليابان لنظام ذلك الرئيس الياباني الأصل فوجيموري!!

واليوم يعود نظامه بالكامل بدعم ترامب وتستقبل الرئيسة ابنته في حفل تنصبيها وزير خارجية الكيان وتنسف كل ثوابت البيرو تجاه القضايا العادلة!!

وحدث هذا أيضًا في الإكوادور لتتوغل اللوبيات اليمينية الصهيونية وتتخذ من الإكوادور مخلبًا لضرب النظام المجاور في كولومبيا ورئيسها البطل غوستابو بيترو داعم ونصير قضية فلسطين العادلة، ليفوز منافسه اليميني الذي كانت أولى وعوده نقل سفارة كولومبيا إلى القدس المحتلة والانقلاب على سياسات سلفه، بل والمطالبة بمحاكمته!!

وبعد أن فرغت الإدارة الأمريكية مما سلف وإحداث هذه التغييرات إعمالًا لمبدأ “مونرو” بالاستحواذ على القارة اللاتينية يأتي الدور الآن على أكبر قوة سياسية واقتصادية بها وهي البرازيل!!

وبكل وقاحة، يتعاون ترامب مع حلفائه اليمينيين وعملاء الداخل ليتم ترشيح نجل الرئيس الفاشستي المتطرف السابق جاير بولسونارو لمنافسة الرئيس اليساري الحالي والمخضرم لويس اغناسيو لولا داسيلفا! هذا الرجل الذي بفضل دورتين من حكمه للبرازيل أحدث نقلة نوعية هائلة اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا لتتبوأ البرازيل مكانها عن جدارة في نادي الكبار!!

طبعًا لم يرق هذا الأمر إلى الإدارة الأمريكية التي ترى في البرازيل برئاسة لولا حجر عثرة لتنفيذ مخططها ومشروعها الاستعماري في المنطقة، فأوعزت إلى حزب “بولسونارو” المتطرف لترشيح نجل الرئيس السابق المحكوم في قضايا جنائية ونهب ومنافسة لولا على رئاسة البرازيل وإكمال المشروع الإمبريالي الصهيوني بها!! لكن استطلاعات الرأي وقوة حزب العمال البرازيلي وشعبيته الواسعة بفضل العدالة الاجتماعية التي أرسى دعائمها في البلاد! كل هذا يؤسس لفوز ساحق لمشروع الرئيس لولا وهزيمة اليمين المنافس!

وليت الأمر وقف عند هذا الحد!! بل تجاوزه إلى أمريكا الوسطي والكاريبي حيث أبرز رموز مقاومة التسلط والهيمنة.. فعلاوة على الحصار المفروض على كوبا منذ ما يزيد على خمسة عقود وعدم استجابة أمريكا لرفع حصارها عن هذه الجزيرة الكاريبية الصغيرة، ناهيك عن الدعوات الدولية للحوار مع كوبا ورفع الحصار عنها، غير أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ديمقراطية وجمهورية على حد سواء ما زالت مستمرة في حصارها وصلفها ضد كوبا رغم رحيل كاسترو وسلفه، ويستمر العداء مع الحزب الحاكم ومحاولات إخضاع الجزيرة الصغيرة للهيمنة الأمريكية المتوحشة!!

وغير بعيد أيضا.. فقد لوحت أمريكا باستخدام القوة للإطاحة بالنظام الثوري للجبهة السنديانية في نيكاراغوا ورمزها الرئيس دانيال أورتيغا!! وأوعزت إليه إدارة ترامب بالتخلي عن منصبه، وأن البديل قادم لا محالة في الانتخابات القادمة، غير أن الزعيم أورتيغا أشار إلى إلغاء الانتخابات الرئاسية أصلًا متى كان هذا ضروريًّا للحيلولة دون وقوع بلاده في مستنقع “المؤامرة”!!!

ترى بعد هذا العرض.. هل يقف مسلسل المؤامرة عند هذا الحد أم أن العالم مرشح لمزيد من التدهور وتوالد تحالفات واستقطابات جديدة ونظام دولي جديد وفقًا للقياسات الاستعمارية؟!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى