مقالات الرأي

الجودة والاعتماد الأكاديمي في مواجهة واقع الجامعات


بقلم/ أمل كامل عبدالملك
ماذا يحدث عندما يتخرج الطالب من الجامعة حاملًا شهادة، ثم يكتشف أن سوق العمل لا ينتظر هذه الشهادة كما كان يتوقع؟ وماذا يحدث عندما يمضي سنوات طويلة في الدراسة، ثم يجد نفسه يبحث عن مهارات لم يتعلمها، أو يعمل في مجال بعيد عن تخصصه، أو يقف طويلًا في طابور الباحثين عن فرصة عمل؟ وهل المشكلة دائمًا في الطالب أو الخريج؟
هذه إحدى أبرز مشكلات التعليم في ليبيا، ويمكن تلخيصها في عدم توافق بعض المناهج والبرامج التعليمية مع احتياجات سوق العمل، وبالتالي وجود فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات هذا السوق.
فالتعليم العالي ليس مجرد قاعات وكتب وامتحانات وشهادة في نهاية الطريق. وراء كل شهادة برنامج ومناهج وأستاذ وطرق تدريس، والنتيجة التي تهم في النهاية هي: ماذا تعلم الطالب؟ وماذا أصبح قادرًا على أن يفعل بما تعلمه؟
ومع مرور الوقت، بدأت أسئلة صعبة تفرض نفسها: هل تواكب مناهجنا التغيرات المتسارعة في المعرفة واحتياجات سوق العمل؟ وهل تتطور طرق التدريس بالسرعة نفسها؟ وهل تقيس الجامعة فعلًا ما تعلمه الطالب وما اكتسبه من معارف ومهارات، أم تكتفي بقياس قدرته على اجتياز الامتحان؟ والسؤال الأكثر أهمية: عندما يحصل الخريج على شهادته، ماذا يحمل معه غير هذه الورقة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن مؤسسات التعليم العالي لا تقوم بدورها، لكنها تفتح الباب أمام سؤال مهم: هل تراجع المؤسسة أداءها باستمرار، وتتعرف إلى نقاط قوتها وضعفها، وتعمل على تعزيز الأولى ومعالجة الثانية؟ ومن هنا برز مفهوم أصبح يتردد كثيرًا في جامعاتنا خلال السنوات الأخيرة، وهو «الجودة»، بوصفها وسيلة لضمان أن ما تقدمه المؤسسة التعليمية من برامج ومناهج يحقق الفائدة للطالب والخريج والمجتمع على حد سواء.
فالجودة ليست ملفًّا يُرتب استعدادًا لزيارة لجنة، ولا مجموعة من الأوراق تُحفظ على الرفوف. الجودة، ببساطة، هي أن تعرف المؤسسة ما الذي تفعله جيدًا، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وأن تمتلك القدرة والآليات اللازمة لمعالجة جوانب القصور، ثم تعود لتسأل نفسها: هل نجحنا فعلًا في تحقيق ما خططنا له؟
خلال السنوات الأخيرة، تدارك قطاع التعليم أهمية هذا الجانب في العملية التعليمية، وبدأت مصطلحات مثل «الجودة»، و«الاعتماد المؤسسي»، و«الاعتماد البرامجي»، و«فريق التدقيق» تتردد كثيرًا في الجامعات والكليات ومراسلاتها. ملفات تُنجز، ومؤشرات تُراجع، وشواهد تُجمع، واجتماعات تُعقد، ولجان تعمل استعدادًا لزيارة فريق التدقيق.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: ماذا يعني الاعتماد الأكاديمي للجامعة والكلية وعضو هيئة التدريس والطالب وسوق العمل والمجتمع؟ وهل الاعتماد مجرد شهادة تحصل عليها الكلية وتعلقها على جدار، أم أنه وسيلة حقيقية لمراجعة طريقة عملها وتطوير أدائها وتحسين مخرجاتها؟
فالاعتماد الأكاديمي ليس جائزة تمنحها المؤسسة لنفسها، ولا شهادة تعلق على الجدار ثم تنتهي القصة. إنه عملية تقييم ومراجعة تهدف إلى التأكد من أن المؤسسة أو البرنامج الأكاديمي يستوفي معايير محددة تتعلق بالتعليم والإدارة والموارد والخدمات والنتائج التي يحققها للطلاب. وفي ليبيا يتولى المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية تقييم المؤسسات والبرامج وفق معايير الاعتماد المؤسسي والبرامجي.
لكن ماذا تستفيد الكلية فعلًا من الاعتماد؟
الإجابة تتجاوز مجرد الحصول على شهادة؛ فالاعتماد يدفع الكلية إلى التخطيط والتنفيذ والتقييم والتحسين المستمر، وإلى مراجعة برامجها ومناهجها وطرق تدريسها، والاستماع إلى طلابها وخريجيها وأعضاء هيئة التدريس وأصحاب العمل. كما يعزز الثقة في برامجها ومخرجاتها، ويدعم فرص التعاون والشراكات الأكاديمية، ويساعدها على تطوير برامجها بما يتلاءم مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات المجتمع.
وفي المقابل، فإن عدم استيفاء متطلبات الجودة والاعتماد قد يترتب عليه اتخاذ إجراءات تنظيمية تمس قدرة المؤسسة أو البرنامج على الاستمرار، لينعكس الضرر في نهاية المطاف على الخريج، الذي يمثل محور الاهتمام والهدف الأساسي من العملية التعليمية برمتها. ولذلك لم يعد الاعتماد خيارًا تجميليًّا، بل أصبح مرتبطًا بمستقبل المؤسسة التعليمية وبرامجها، وبقدرتها على الإسهام في تحقيق التنمية والتطور المنشودين للمجتمع.
لكن الخطأ الأكبر هو أن تتحول الجودة إلى موسم مؤقت يبدأ قبيل زيارة فريق التدقيق لمبنى الكلية وينتهي بمجرد مغادرته. فالجودة الحقيقية لا تُمارس من أجل الزيارة، ولا تُقاس بعدد الملفات الموجودة على الرفوف، ولا بحجم الأوراق والشواهد التي جرى تجميعها، وإنما بما تغير فعلًا داخل المؤسسة، وبمدى انعكاس هذا التغيير على العملية التعليمية ومخرجاتها.
فالكلية التي تعرف نقاط قوتها وضعفها، وتقيس أداءها بصورة منتظمة، وتستمع إلى طلابها وأعضاء هيئة التدريس وخريجيها وأصحاب المصلحة، من خلال أدوات تقييم وأساليب علمية لجمع البيانات، وتراجع برامجها ومقرراتها في ضوء نتائجها، وتحدد أوجه القصور وتضع الآليات اللازمة لمعالجتها، ثم تتابع نتائج التحسين وتمتلك الأدلة التي تثبت ذلك، هي كلية تمارس الجودة بالفعل.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: الاعتماد ليس غاية في حد ذاته، وإنما نتيجة لمسار مستمر من الجودة والتقييم والتحسين. فإذا أصبح الحصول على شهادة الاعتماد هو الهدف، فقدت العملية جانبًا كبيرًا من معناها؛ أما إذا أصبحت الجودة ثقافة وممارسة يومية داخل المؤسسة، فإن الاعتماد يأتي تتويجًا طبيعيًّا لهذا المسار.
وفي النهاية، قد تكون شهادة الاعتماد هي الوثيقة التي تراها العين وتعلق على الجدار، لكن الجودة الحقيقية ليست ورقة ولا ختمًا؛ إنها ما يلمسه الطالب في تعليمه، ويلاحظه عضو هيئة التدريس في مؤسسته، ويثق به سوق العمل في كفاءة الخريج، ويشعر المجتمع بأثره في تنميته وتطوره.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى