مقالات الرأي

التعليم التقني والحرفي طريق الإنتاج والكرامة



بقلم/ فتحي بن شتوان

ظل التعليم في كثير من المجتمعات العربية، ومنها ليبيا، مرتبطًا في الوعي العام بالشهادة الجامعية، حتى أصبح النجاح يُقاس غالبًا بالحصول على مؤهل أكاديمي، بينما تراجع الاهتمام بالتعليم التقني والحرفي رغم أنه يمثل العمود الفقري للاقتصاد في الدول الصناعية المتقدمة. وقد أدى هذا التصور إلى اختلال واضح في سوق العمل، وارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، في مقابل نقص الكفاءات الفنية والمهنية التي تحتاجها مختلف قطاعات الإنتاج.

إن هذا الواقع يفرض إعادة النظر في مكانة التعليم التقني والحرفي، ليس باعتباره مسارًا بديلًا لمن لم ينجح في التعليم الأكاديمي، بل باعتباره مسارًا وطنيًّا أصيلًا ومتكافئًا في القيمة والأهمية، يسهم في بناء الاقتصاد، وتحقيق التنمية، وإعداد شباب يمتلكون المهارة والقدرة على الإنتاج والإبداع.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء اقتصاد صناعي قوي هي التي أعطت التعليم التقني المكانة التي يستحقها، وربطته مباشرة باحتياجات سوق العمل، وأقامت شراكات حقيقية بين مؤسسات التعليم والقطاع الخاص، حتى أصبح الطالب ينتقل من مقاعد التدريب إلى مواقع الإنتاج بصورة طبيعية، ويبدأ حياته المهنية وهو يمتلك الخبرة والمهارة والثقة.

وفي ليبيا، يمثل التعليم التقني والحرفي فرصة استراتيجية لمعالجة عدد من التحديات في وقت واحد، فهو يسهم في خفض البطالة، ويدعم الصناعات الوطنية، ويعزز التنمية المحلية، ويقلل الاعتماد على العمالة الأجنبية، ويشجع الشباب على العمل الحر وريادة الأعمال، ويحولهم من باحثين عن الوظيفة إلى صانعي فرص العمل.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تطوير هذه المنظومة على أسس حديثة، من خلال إنشاء مراكز تدريب متقدمة، وتحديث المناهج، وتوفير المعدات والتقنيات الحديثة، وإعداد مدربين مؤهلين، وإدخال مجالات المستقبل مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والصيانة الذكية، والتصنيع الرقمي، وتقنيات المعلومات، حتى يصبح التعليم التقني مواكبًا للتحولات العالمية.

كما ينبغي أن يرتبط التدريب ارتباطًا مباشرًا بالإنتاج، بحيث تصبح المصانع والشركات والمؤسسات الاقتصادية جزءًا من العملية التعليمية، ويكون التدريب العملي شرطًا للحصول على الشهادة، مع اعتماد برامج تدريب منتهية بالتوظيف، وإنشاء حاضنات للمشروعات الصغيرة، وتقديم الدعم الفني والمالي للخريجين الراغبين في تأسيس أعمالهم الخاصة.

ولا يقل أهمية عن ذلك تغيير الثقافة المجتمعية تجاه العمل المهني والحرفي. فكل نهضة صناعية قامت على احترام الحرفي والفني والمهندس والعامل الماهر، وجعلت معيار التقدير هو الكفاءة والإتقان، لا نوع الشهادة فقط. إن العمل المنتج قيمة حضارية، والمهارة ثروة وطنية، والإتقان أساس التنافسية.

ولهذا فإن المشروع الحضاري النهضوي الليبي يدعو إلى إعادة الاعتبار للتعليم التقني والحرفي بوصفه أحد أهم محركات التنمية، وأحد المسارات الرئيسة لبناء الإنسان المنتج. فليبيا تحتاج إلى فنيين ومهندسين وتقنيين بقدر حاجتها إلى الأطباء والمعلمين والباحثين، لأن بناء الدولة الحديثة يتطلب تكامل جميع التخصصات.

إن مستقبل الاقتصاد الليبي لن يُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، بل بسواعد وعقول تمتلك المهارة والمعرفة وروح الابتكار. وعندما يصبح التعليم التقني خيارًا وطنيًّا يحظى بالاحترام والدعم، تتحول المدارس والمعاهد الفنية إلى مصانع للكفاءات، ويتحول الشباب إلى قوة إنتاجية تقود التنمية، وتبني اقتصادًا متنوعًا، ودولةً حديثة تقوم على العمل، والإبداع، والكرامة الإنسانية.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى