الاعتمادات المستندية.. امتياز للقلة والفاتورة على المواطن

بقلم / عثمان الدعيكي
فكرة الاعتمادات المستندية في أصلها بسيطة: توفير العملة الأجنبية للمستورد بالسعر الرسمي حتى تصل السلع إلى السوق بتكلفة أقل، وتنخفض الضغوط على السوق الموازي، ويكون المواطن هو المستفيد الأخير من هذه السياسة. لكن ما حدث في ليبيا جعل هذه المعادلة تنقلب في كثير من الأحيان؛ فالدولة توفر الدولار بسعر أقل، بينما يشتري المواطن السلعة وكأن مستوردها اشترى دولاراته من السوق السوداء.
المشكلة تصبح أكثر خطورة مع تركز جانب كبير من الاعتمادات في أيدي عدد محدود من الشركات والتجار. وتتداول تقديرات بأن أكثر من 80 % منها تستحوذ عليها دائرة محدودة من المستفيدين، وهي نسبة تحتاج إلى توثيق رسمي، لكن المؤكد أن قوائم الاعتمادات المنشورة تثير منذ سنوات أسئلة مشروعة حول تركزها، ومعايير توزيعها، والمستفيد الحقيقي منها.
فالاعتماد يفتح لاستيراد الدواء والغذاء ومستلزمات الإنتاج، كما يفتح للسلع الكمالية، بينما تبقى الرقابة على الأسعار الحلقة الأضعف. وهنا تظهر المفارقة: يحصل المستورد على العملة بالسعر الرسمي، ثم تدخل السلعة السوق ليُحدد سعرها في حالات كثيرة على أساس تكلفة تقترب من سعر الدولار الموازي. وبذلك يتحقق للمستورد ربحان: ربح ناتج عمليًّا عن فارق سعر العملة، وربح تجاري آخر يضاف كهامش على تكلفة السلعة.
عندها لا نكون أمام تجارة طبيعية بقدر ما نكون أمام تجارة تستفيد من امتياز الوصول إلى النقد الأجنبي. ومن يحصل على هذا الامتياز بالوساطة أو المحاباة يصبح، بصورة غير مباشرة، تاجر عملة: يشتريها رسميًّا ويبيع قيمتها داخل سعر السلعة للمواطن. أما المواطن، الذي يفترض أن الدعم وُجد من أجله، فلا يرى منه شيئًا سوى المزيد من الغلاء وتآكل دخله ومدخراته، بينما تتضخم ثروات فئة تحسب نفسها على رجال الأعمال، رغم أن بعضها بنى أرباحه على استغلال تشوهات السوق لا على الإنتاج والمنافسة.
العلاج يبدأ من أجهزة الرقابة نفسها، بتطهيرها من المرتشين والفاسدين وتضارب المصالح، ثم إخضاع المصارف والاعتمادات والأسواق لرقابة فعلية. كما تحتاج ليبيا إلى خطة استيراد سنوية تحدد ما يستحق العملة المدعومة كالدواء، والسلع الأساسية، والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، على أن توزع الاعتمادات وفق معايير معلنة وعادلة بين الشركات المؤهلة، لا وفق النفوذ والأسماء.
أما السيارات الفارهة والسلع الكمالية والهامشية، فليوفر مستوردوها عملتها من مواردهم أو صادراتهم أو المقايضة والوسائل التجارية المشروعة.
فلا معنى لدعم الدولار إذا دخل من باب المصرف بسعر رسمي، ثم خرج من باب السوق بالسعر الموازي. عندها لا تكون الدولة قد دعمت المواطن، بل صنعت طبقة من المستفيدين، تكبر ثرواتهم وتتورم كروشهم كلما صغرت قدرة الناس على العيش.
