بين هندسة السلوك وتشتيت الوعي (الجزء الأول)

بقلم/ محمد عبد القادر
تُعد صناعة الأزمات وإدارتها أدواتٍ استراتيجية لترويض الشعوب التي يُتوقع منها المقاومة رفضًا لسياسات تعيد تشكيل حياتها اليومية.
هذا المشهد ليس عفويًّا، بل هو نتيجة تخطيطٍ محكم يهدف إلى الاحتواء من الداخل بدلًا من الغزو المباشر باهظ التكاليف، وهو ما تؤكده أدبيات مراكز الأبحاث الغربية.
يتضح هذا من خلال افتعال أزمات معيشية متلاحقة ـ كغياب الكهرباء، والسيولة، والخبز، والوقودـ في دول كالعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها. وهنا يبرز التساؤل: هل هي إخفاقات إدارية، أم سياسات ممنهجة لإعادة هندسة السلوك الشعبي وشل قدرته على التفكير في السيادة الوطنية؟
للإجابة عن هذا التساؤل الملِحِّ، يجب تفكيك الآليات والنظريات التي تعطل الوعي وتجعل المجتمعات تسير “كالقطيع”:
نظرية الفوضى الخلاقة (إدارة الأزمات الُمتَعمَّدة):
تفترض هذه الاستراتيجية أن إبقاء الدول في حالة عدم استقرار مزمن يمنع قيام سلطة مركزية قوية، وهو أمر حيوي لمشروع الهيمنة والنهب المنظم.
يتم ذلك عبر خلق صراع دائم على متطلبات البقاء، لاستنزاف طاقات المواطن وتحويل اهتمامه من مقاومة التدخل الخارجي إلى صراع فردي لتأمين أساسيات الحياة.
نظرية الضغط النفسي (العجز المُتَعلم وضيق الأفق المعرفي):
وفقًا لعالم الاقتصاد سينديل موليناثان وعالم النفس إيلدار شافير، فإن النقص المادي المزمن يفرض على العقل البشري حالة من التركيز الحصري على المدى القصير جدًّا. يقول الباحثان: إن الإنسان يمتلك طاقة عقلية محدودة من الانتباه والقدرة المعرفية؛ وعندما يعاني من ندرة شديدة، يدخل في حالة “النفق المُضَيّق”، حيث ينحصر تركيزه -لا إراديًّا- في الأزمة الآنية (كالنجاة اليومية).
هذا الاستنزاف يمنع التفكير الاستراتيجي والقدرة على التخطيط، ويُثبت أن “الغباء” أو سوء اتخاذ القرار ليس صفة ملازمة للفقراء، بل أثر جانبي تفرضه ضغوط الندرة على أي عقل بشري، مما يفسر عجز المجتمعات المنهكة عن الانخراط في مقاومة طويلة الأمد.
نظرية الدولة الرخوة والنخب الوظيفية:
تعمل هذه السياسة على خلق “تشابك مصلحي” يُنتج طبقات سياسية وإدارية هزيلة، ترتبط مصالحها بالخارج حصرًا، ما يفرز عجزًا منظمًا في إدارة الموارد يُبقي الدولة في دائرة الاحتياج الدائم.
ختامًا، لا يمكن اعتبار ما تعيشه هذه الدول أحداثًا ذاتية؛ بل هو نموذج للاستقرار السلبي الأقل تكلفة للقوى المهيمنة. حيث تُدار هذه العمليات عبر مؤسسات فكرية كبرى مثل مؤسسة “راند”، ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ومركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، ومعهد بروكينجز، ومعهد واشنطن.
هذه المؤسسات تقوم بدراسات منتظمة تُقدم توصيات لصناع السياسة والحرب لخدمة مصالح النخبة الأمريكية في الهيمنة على الجغرافيا والثروات ومكامن إنتاج الأفكار، ما يضمن بقاء الشعوب المستهدفة تحت وطأة الاستنزاف المادي والنفسي المستمر.
