التحذير الصحي عندما تتجاوز الأزمات حدود الاحتمال

بقلم /د.علي المبروك أبوقرين
لا توجد أمة تستطيع أن تحافظ على استقرارها أو أمنها أو مستقبلها إذا وصلت صحة سكانها إلى مرحلة الخطر الشامل. فالصحة ليست قطاعاً خدمياً يمكن تعويضه بسهولة إذا تراجع، وليست مجرد مستشفيات وأطباء وأدوية، فهي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع كله.
وعندما تتعرض الصحة العامة للاهتزاز فإن آثار ذلك تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والأمن والإنتاج والاستقرار الاجتماعي، وتصبح الدولة بأكملها معرضة لموجة متواصلة من الأزمات المتراكمة. وما يجعل الوضع أكثر خطورة أن الأزمات الصحية لا تنفجر عادة بصورة مفاجئة إنما تبدأ بالتراكم سنوات طويلة حتى تصل إلى نقطة تصبح فيها جزءاً من الحياة اليومية، ويتحول الخطر الاستثنائي إلى واقع معتاد، ويعتاد الناس على أوضاع ما كان ينبغي أن تكون مقبولة في أي مجتمع طبيعي.
وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة فإن الخطر الحقيقي لا يكون في ظهور المشكلة إنما في التعايش معها وكأنها أمر طبيعي.
وفي ليبيا لم تعد المخاطر الصحية مجرد احتمالات مستقبلية أو سيناريوهات تحذيرية يمكن أن تحدث أو لا تحدث إنها أصبحت واقعاً يومياً تعيشه البلاد بالفعل.
فمعظم العوامل التي تحذر منها المنظمات الصحية حول العالم موجودة اليوم مجتمعة في المشهد الليبي بصورة نادرة وشديدة الخطورة. الانقسامات السياسية، والاضطرابات الأمنية، والأزمات الاقتصادية، وتراجع الخدمات الأساسية، وضعف الرقابة وتلوث البيئة وانقطاع الكهرباء والمياه، والهجرة غير الشرعية، وانتشار المخدرات والجريمة، وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ليست توقعات مستقبلية إنها حقائق قائمة يعيشها المواطن كل يوم.
وفي الحالة الليبية اليوم لا يمكن النظر إلى الأمراض المعدية بمعزل عن الانقسامات السياسية، ولا إلى الأمراض المزمنة بمعزل عن الفقر والضغوط النفسية، ولا إلى الصحة النفسية بمعزل عن العنف والصراعات وعدم الاستقرار، ولا إلى الأمراض المعوية والتسممات الغذائية بمعزل عن تلوث المياه والغذاء وضعف الرقابة الصحية.
فكل هذه العناصر أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي خلل في أحدها قادراً على إنتاج سلسلة طويلة من المشكلات الصحية الأخرى.
إن استمرار الانقسامات والصراعات وما يصاحبها من تراجع اقتصادي وتدهور في الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء والمياه وتهالك البنية التحتية لا يهدد بانتشار الأمراض مستقبلاً فحسب، إنه يساهم فعلياً في انتشارها اليوم.
كما أن حركة الهجرة الواسعة من دول ومناطق مختلفة، بعضها يعاني من أمراض متوطنة أو أوبئة خطيرة، مع غياب نظم الترصد الوبائي الفعالة والرقابة الصحية على المنافذ الحدودية، تمثل خطراً قائماً بالفعل وليس احتمالاً نظرياً.
وفي الوقت ذاته تتفاقم الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والفشل الكلوي والأورام والأمراض المناعية بسبب ضعف برامج الوقاية والكشف المبكر وتأخر التشخيص وصعوبة الوصول إلى العلاج المنتظم.
ومع كل يوم يتأخر فيه العلاج تتحول الحالات البسيطة إلى حالات معقدة ومكلفة وقد تصبح غير قابلة للعلاج الكامل.
وهذه ليست أزمة مستقبلية إنها واقع يعيشه آلاف المرضى وعائلاتهم يومياً. أما الصحة النفسية فهي من أكثر الجوانب تعرضاً للخطر. فالخوف المستمر من المستقبل، والضغوط الاقتصادية، وفقدان مصادر الدخل وفقدان الأهل والشعور بعدم الأمان، كلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة والإدمان والعنف الأسري والانتحار.
وما يضاعف الكارثة أن جانباً كبيراً من هذه المعاناة يجري بعيداً عن أي رصد حقيقي أو خدمات متخصصة قادرة على التدخل. وتزداد الخطورة مع انتشار الأدوية المغشوشة وغير المطابقة للمواصفات، وضعف الرقابة على سلاسل الإمداد الدوائي، ووجود ممارسات صحية غير منضبطة في بعض المؤسسات، الأمر الذي قد يحول العلاج نفسه إلى مصدر إضافي للخطر.
كما أن تلوث المياه والغذاء والبيئة وتراكم النفايات والصرف الصحي غير المعالج تمثل جميعها مصادر دائمة للأمراض والعدوى.
إن أخطر ما في المشهد الليبي ليس وجود هذه المشكلات منفردة إنما اجتماعها كلها في وقت واحد. فالدول عادة تواجه تحدياً أو تحديين أو حتى عدة تحديات متزامنة، أما أن تتراكم كل هذه الأخطار الصحية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية في آن واحد فذلك يضع المجتمع أمام حالة استثنائية من الهشاشة الصحية يصعب إيجاد مثيل لها.
فالمريض المزمن الذي لا يجد العلاج قد يفقد القدرة على العمل، والفقر الناتج عن المرض قد يؤدي إلى سوء التغذية، وسوء التغذية يضعف المناعة، وضعف المناعة يزيد احتمالات الإصابة بالأمراض المعدية والمناعية المعقدة، بينما تؤدي الضغوط النفسية إلى تفاقم الأمراض الجسدية، ويؤدي انهيار الخدمات إلى تأخر التشخيص والعلاج، فتدخل البلاد في دائرة متشابكة من الأزمات الصحية التي يغذي بعضها بعضاً بصورة مستمرة. ولهذا السبب لم يعد الحديث عن إصلاح بعض المستشفيات أو توفير بعض الأدوية كافياً لمواجهة حجم التحديات القائمة.
فالوضع تجاوز منذ فترة طويلة حدود المعالجات الجزئية والحلول المؤقتة. وما تحتاجه البلاد هو حالة استنفار صحي وطني دائم، وخطط طوارئ مستمرة، ومنظومات إنذار مبكر وترصد وبائي، ورقابة صارمة على الغذاء والدواء والمياه والحدود، وبرامج عاجلة للأمراض المزمنة والصحة النفسية، لأن حجم المخاطر أصبح أكبر من أن يُواجه بردود أفعال متفرقة أو إجراءات محدودة.
والحقيقة المؤلمة أن كثيراً من الأضرار الصحية التي تراكمت خلال السنوات الماضية لم تعد قابلة للعلاج السريع حتى لو توفرت الإرادة والإمكانات. فهناك أمراض تأخر تشخيصها، وحالات فقدت فرص علاجها المبكر، وكفاءات صحية غادرت، ومؤسسات ضعفت، وثقة مجتمعية تآكلت، ومشكلات بيئية وصحية تراكمت عاماً بعد عام.
ولذلك فإن الطريق إلى التعافي أصبح أكثر صعوبة وتكلفة وتعقيداً مما كان عليه في أي وقت مضى. إن التحذير اليوم لا يتعلق بخطر قادم من المستقبل إنما يتعلق بخطر قائم بالفعل. فنحن لا نحذر من وصول الأوضاع إلى مرحلة حرجة إنما نحذر من أن الأوضاع بلغت بالفعل مرحلة حرجة وخطرة للغاية.
ولا نحذر من احتمال انهيار القدرة على الاستجابة الصحية إنما من مؤشرات واضحة تدل على أن هذه القدرة تتعرض لضغوط هائلة في أكثر من اتجاه وفي أكثر من ملف صحي في الوقت نفسه.
أما المستقبل إذا استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه، فلن يكون امتداداً للوضع الراهن فحسب، قد يكون أكثر قسوة وتعقيداً.
فالمشكلات الصحية لا تبقى ثابتة إنها تتراكم وتتضاعف مع الزمن. وكل أزمة تُترك دون حل تصبح جزءاً من أزمة أكبر، وكل مرض يُترك دون تشخيص أو علاج يتحول إلى عبء أثقل، وكل سنة تمر دون إصلاح جذري تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الصحي.
ولهذا فإن القضية لم تعد قضية تطوير قطاع صحي أو تحسين خدمة طبية أو زيادة عدد المستشفيات انها أصبحت قضية حماية مجتمع بأكمله من التآكل الصحي البطيء.
وإذا كانت تكلفة الإصلاح اليوم مرتفعة وصعبة، فإن تكلفة التأخير ستكون أكبر بصورة قد تفوق قدرة الأجيال القادمة على تحملها. فالفاتورة لم تعد مالية فقط إنما أصبحت فاتورة تُدفع من صحة الناس وأعمارهم وجودة حياتهم وقدرتهم على العمل والإنتاج والعيش الكريم.
وكلما تأخر التعامل الجاد مع هذه التحديات، اقتربت البلاد أكثر من نقطة يصبح عندها حجم الأضرار المتراكمة أكبر بكثير من قدرة أي خطط أو موازنات أو إصلاحات مستقبلية على احتوائها في زمن معقول.
إن أخطر ما يمكن قوله اليوم ليس أن البلاد تواجه أزمة صحية، إن الأزمة الصحية أصبحت جزءاً من المشهد اليومي المعتاد. وعندما يعتاد المجتمع على الخطر ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح المعاناة أمراً مألوفاً، فإن ذلك يكون في حد ذاته أحد أخطر المؤشرات على أن الوضع بلغ مستويات تتطلب تحركاً وطنياً عاجلاً قبل أن تصبح بعض الخسائر خارج نطاق التعويض والإصلاح.
