الولايات المتحدة الأمريكية في مأزق إيران

تقرير – سيد العبيدي
بعد نحو 6 أشهر من الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، بدأت تداعيات المواجهة تتجاوز ساحات القتال، لتصل إلى مخازن السلاح الأمريكية، وحسابات الرئيس دونالد ترامب السياسية، والانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، في وقت تبدو فيه طهران أكثر تشددًا في شروطها لإنهاء الحرب، ما يضع واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا مما توقعته عند بدء العمليات العسكرية.
تحولت الحرب التي راهنت الإدارة الأمريكية على حسمها سريعًا إلى استنزاف مفتوح، وسط تقارير عن تراجع مخزونات أمريكية من صواريخ بعيدة المدى وذخائر متقدمة، واضطرار وزارة الدفاع الأمريكية إلى الضغط على شركات السلاح لتسريع الإنتاج. وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة استهلكت تقريبًا كامل مخزونها من بعض الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى خلال الحرب، بينما حذرت مصادر من أن استمرار القتال لفترة أطول قد يفرض ضغوطًا على الجاهزية الأمريكية لمواجهة خصوم آخرين مثل روسيا والصين.
معركة الذخائر.. الوجه الآخر للحرب
إلى ذلك، لم تعد المشكلة الأمريكية تتعلق فقط بعدد الصواريخ التي أُطلقت على إيران، وإنما بسرعة استهلاك المنظومات الأكثر تطورًا مقارنة بسرعة تعويضها. وتظهر التقارير أن الحرب استنزفت بصورة خاصة مخزونات صواريخ الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، وهو ما دفع البنتاجون إلى مطالبة شركات الصناعات الدفاعية برفع معدلات الإنتاج.
وتكشف هذه التطورات أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة امتلاك مخزون غير محدود من الأسلحة؛ فالحروب الحديثة، خصوصًا عندما تستخدم فيها كميات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيرة ومنظومات الاعتراض، يمكن أن تحول التفوق التكنولوجي إلى مشكلة استنزاف إذا طال أمد المواجهة.
وفي المقابل، يحاول ترامب نفي وجود أزمة حقيقية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك “كميات هائلة” من الذخائر، وأن عمليات التصنيع والإمداد مستمرة. لكن التناقض بين الخطاب السياسي والتقارير المتداولة داخل دوائر الدفاع والكونجرس جعل مسألة المخزون العسكري واحدة من أكثر نقاط الجدل حساسية في واشنطن.
هروب ترامب في عربة التموين
ولعل أكثر المشاهد التي تختصر طبيعة المأزق الأمريكي جاءت من واقعة خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سرًّا من تركيا خلال قمة حلف شمال الأطلسي، بعد تحذير أمني من تهديد إيراني محتمل، فبحسب تقارير أمريكية، جرى نقل ترامب بصورة سرية من الطائرة الرئاسية إلى طائرة عسكرية أخرى، واستخدمت عربة تموين لإخفاء عملية انتقاله عن الإعلام وبعض أفراد الطاقم، قبل مغادرته البلاد. وأكد ترامب لاحقًا أنه اتبع تعليمات جهاز الخدمة السرية والجيش بشأن تغيير الطائرة.
وبغض النظر عن كون الإجراء أمنيًّا بحتًا، فإن الصورة السياسية التي أنتجتها الواقعة كانت لافتة؛ فالرئيس الأمريكي الذي دخل الحرب متحدثًا عن التفوق الساحق والقدرة على فرض شروطه على طهران، أصبح مضطرًّا إلى تغيير وسيلة سفره والابتعاد عن الطائرة الرئاسية التقليدية بسبب تهديد صاروخي محتمل. وهنا تتحول الواقعة من مجرد تفصيل أمني إلى رمز لحرب لم تعد واشنطن قادرة على التحكم الكامل في إيقاعها.
وفي إطار التوتر المتصاعد بين البلدين حول مضيق هرمز، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه سيعلن قريبًا أن المضيق أصبح تابعًا للولايات المتحدة، في تصريحات أثارت ردود فعل واسعة، قبل أن يؤكد مسؤول رفيع في البيت الأبيض أن ترامب كان يتحدث على سبيل المزاح. وفي الوقت نفسه، شدد ترامب على أن الولايات المتحدة تفرض سيطرة كاملة على المضيق، بينما حذَّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن واشنطن ترتكب “خطأً في الحسابات” بشأن هرمز، معتبرًا أن الملف يمثل مثالًا على ما وصفه بالفشل الاستخباراتي الأمريكي.
الانتخابات الأمريكية.. العقاب السياسي بدأ مبكرًا
ولا تقف تداعيات الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية عند حدود وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” والبيت الأبيض، بل بدأت تظهر داخل السياسة الأمريكية نفسها.
ففي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيجان، حقق المرشح التقدمي عبدالرحمن السيد فوزًا لافتًا في سباق مجلس الشيوخ، في مواجهة هالي ستيفنز، وسط معركة انتخابية ارتبطت بصورة مباشرة بموقف المرشحين من الكيان الصهيوني وحرب غزة. واعتُبر فوز عبدالرحمن السيد مؤشرًا على تنامي قوة التيار التقدمي والاعتراض على النفوذ التقليدي لجماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني داخل الحزب الديمقراطي.
ولا يعني ذلك أن الانتخابات الأمريكية تحولت إلى كتلة واحدة مناهضة للصهيونية، لكن النتائج تكشف تغيرًا سياسيًّا مهمًّا في التعاطي مع القضية الفلسطينية وفي العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية الصهيونية والتي لم تعودا من الملفات التي يمكن التعامل معها باعتبارها خطوطًا حمراء غير قابلة للنقاش داخل السياسة الأمريكية.
وتشير نتائج الانتخابات التمهيدية والنقاشات الانتخابية الأخيرة إلى أن الحرب في الشرق الأوسط أصبحت جزءًا من الحسابات الانتخابية، خصوصًا لدى الناخبين الشباب والتيار التقدمي، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحرب على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الطاقة.
إيران ترفع سقف الشروط
في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، حيث ربطت إعادة فتح مضيق هرمز بمجموعة من الشروط، من بينها إنهاء الحرب والضغط الأمريكي والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إلى جانب ربط الملف بمسار الحروب في غزة ولبنان. كما حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واشنطن من “سوء تقدير كبير” فيما يتعلق بمضيق هرمز.
وتزداد أهمية مضيق هرمز لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية، فالولايات المتحدة تحاول تأكيد قدرتها على فرض حصار بحري على إيران، بينما تصر طهران على امتلاك أوراق ضغط تجعل أي عودة إلى الملاحة الطبيعية مرتبطة بشروطها.
وقد زعم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن البحرية الأمريكية قادرة على مواصلة الحصار البحري للموانئ الإيرانية “إلى أجل غير مسمى”، في حين تؤكد طهران أن المضيق لن يعود إلى وضعه الطبيعي قبل تلبية مطالبها.
محسن رضائي.. عودة رجل الحرب إلى الواجهة
وفي هذا السياق، تكتسب عودة محسن رضائي إلى مركز صناعة القرار الإيراني أهمية خاصة، وذلك عقب تعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة تعكس تشددًا واضحًا في إدارة المرحلة الحالية، خصوصًا أن رضائي من أبرز الشخصيات العسكرية الإيرانية وأكثرها خبرة في إدارة الصراعات الأمنية والعسكرية.
وفي أحدث تصريحاته، أكد محسن رضائي أن إيران لن تعيد فتح مضيق هرمز إلا بعد تحقيق شروطها، بينما شدد في تصريحات أخرى على ضرورة إنهاء الولايات المتحدة الحرب والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وإنهاء الحروب في المنطقة، خصوصًا في غزة ولبنان.
وتعكس تصريحات رضائي انتقال طهران من مرحلة الدفاع عن النفس إلى محاولة استخدام أوراق القوة المتبقية لديها في التفاوض؛ فالمعادلة الإيرانية تقوم على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي على طهران لن يؤدي بالضرورة إلى استسلامها، وإنما قد يدفعها إلى استخدام أوراق أكثر حساسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
من يملك زمام الوقت؟
المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن واشنطن تملك التفوق العسكري، بينما تملك طهران قدرة أكبر على تحمل حرب طويلة واستخدام أوراق ضغط غير تقليدية، فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات أكثر دقة وتدمير أهداف استراتيجية، لكنها تدفع في المقابل ثمنًا متزايدًا من مخزون الصواريخ والاعتراضات، ومن الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب.
أما إيران، فعلى الرغم من الخسائر التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية، فإنها استطاعت إبقاء الحرب مفتوحة، وربطت أي تسوية بشروط سياسية تتجاوز الملف النووي إلى الحرب في غزة ولبنان ومستقبل مضيق هرمز.
وبينما تتناقص بعض مخزونات السلاح الأمريكية، وتتزايد الضغوط الانتخابية على الإدارة الأمريكية، وتظهر أصوات أمريكية أكثر انتقادًا للسياسة الصهيونية، تعود إيران إلى خطاب أكثر تشددًا.
