ملفات وتقارير

الوقود والكهرباء يفاقمان معاناة الليبيين


تقرير / عفاف الفرجاني

في بلد يطفو فوق بحر من النفط، أصبح الحصول على لتر من الديزل معركة يومية للمواطن الليبي. مشهد لم يكن يتخيله أحد: دولة نفطية يتحول فيها الوقود الذي يفترض أن يكون متاحًا ومدعومًا إلى سلعة نادرة تُباع في السوق السوداء بأسعار قياسية وصلت في بعض المناطق إلى 11 دينارًا ليبيًّا للتر الواحد، بعدما كان سعره الرسمي لا يتجاوز 50 قرشًا للتر.

لم تعد أزمة النافطة مجرد أزمة محطات وقود أو طوابير سيارات، بل أصبحت أزمة تمس تفاصيل الحياة الأساسية. فالمستشفيات التي تعتمد على المولدات الاحتياطية لضمان استمرار عمل غرف العمليات وأجهزة العناية المركزة، ومحطات المياه التي تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل المضخات، والمرافق الحيوية التي لا تحتمل توقف التيار، أصبحت جميعها مرتبطة بتوفر الديزل.

في ليبيا اليوم، لم يعد انقطاع الكهرباء يعني فقط غياب الإنارة، بل يعني توقف المياه، وتعطل الخدمات، وارتفاع الحاجة إلى المولدات الخاصة التي لا تعمل إلا بالوقود. وهنا ظهرت المفارقة الأكبر: بلد يصدر النفط إلى العالم، لكنه يبحث عن الديزل لتشغيل حياته اليومية.

النفط يُصدر بالملايين والديزل يُستورد بالمليارات

تمتلك ليبيا ثروة نفطية ضخمة، ويشكل النفط المصدر الأساسي لإيرادات الدولة. وخلال عام 2025، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن صادرات النفط الخام من حصة المؤسسة بلغت نحو 342 مليون برميل، بمتوسط تصدير يقارب 936 ألف برميل يوميًّا.

كما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن إيرادات مبيعات النفط خلال شهر واحد بلغت مليارات الدولارات؛ ففي مارس 2026 أعلنت عن إيرادات نفطية قاربت 1.99 مليار دولار.

لكن المفارقة أن ليبيا، رغم تصديرها النفط الخام، تضطر إلى استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الوقود المكرر، وفي مقدمتها الديزل، بسبب ضعف الطاقة التكريرية المحلية وعدم قدرة المصافي على تغطية الطلب المتزايد.

فالنفط الخام الذي يخرج من الأرض الليبية لا يتحول كله إلى وقود جاهز داخل البلاد، لأن إنتاج المشتقات النفطية يحتاج إلى مصافٍ تعمل بكفاءة عالية، وهو ما لم يتحقق نتيجة سنوات من الإهمال والانقسامات والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية.

وتكشف بيانات قطاع الطاقة أن استيراد الوقود أصبح من أكبر أبواب الإنفاق العام، حيث خصصت الدولة مليارات الدولارات لتوفير المحروقات للسوق المحلية. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن تحويلات مالية بمليارات الدينارات لتغطية شراء الوقود للدولة.

وهنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه:

كيف تنتج ليبيا النفط، وتصدره، وتحصل على مليارات الدولارات من عائداته، ثم تجد نفسها أمام أزمة ديزل تهدد المستشفيات والمياه والنقل؟

الإجابة تكمن في سلسلة طويلة من الاختلالات تبدأ من ضعف المصافي، ولا تنتهي عند سوء إدارة التوزيع.

الديزل بين الكهرباء والمواطن.. من يدفع فاتورة الأزمة؟

أحد الأسباب الرئيسية التي فجرت أزمة النافطة هو ارتباطها المباشر بأزمة الكهرباء. فعندما تتراجع إمدادات الغاز الطبيعي لمحطات التوليد، تضطر الدولة إلى استخدام الديزل كوقود بديل لتشغيل محطات الكهرباء.

وهنا تبدأ الحلقة المفرغة، نقص الغاز يؤدي إلى زيادة استهلاك الديزل، وزيادة استهلاك الديزل تقلل الكميات المتاحة للسوق، ونقص الكميات يرفع الأسعار في السوق السوداء.

شركة البريقة لتسويق النفط أوضحت أن دورها يتمثل في توفير الوقود، بينما ترتبط كميات الغاز المتاحة بمحطات الكهرباء بالجهات المنتجة للغاز، مؤكدة وجود ضغط لتحقيق التوازن بين احتياجات محطات الكهرباء والسوق المحلية.

لكن المواطن يرى النتيجة النهائية فقط: محطة وقود بلا ديزل، أو سعر مرتفع في السوق السوداء، أو مولد منزلي متوقف بسبب غياب الوقود.

وتشير معلومات متداولة في قطاع الطاقة إلى أن كميات كبيرة من الديزل تذهب إلى المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها قطاع الكهرباء والمؤسسات الأمنية والعسكرية، بينما يذهب جزء آخر إلى الموزعين. وهذا يفتح ملفًّا مهمًّا حول كيفية توزيع الوقود، وهل الأولوية الحالية تدار وفق خطة واضحة أم وفق حلول مؤقتة لمعالجة أزمات متراكمة، فالكهرباء ليست القطاع الوحيد المتضرر. قطاع النقل يعتمد بشكل أساسي على الديزل، خصوصًا الشاحنات التي تنقل الغذاء والدواء والسلع بين المدن. وعندما يرتفع سعر الوقود، ترتفع معه تكلفة كل شيء يصل إلى المواطن.

ولهذا فإن أزمة النافطة لا تبقى داخل محطات الوقود، بل تنتقل إلى الأسواق، وإلى أسعار الخبز والغذاء والخدمات.

سوق سوداء تزدهر في بلد مدعوم الوقود

الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي في السوق أصبحت أكبر عامل يغذي السوق السوداء. فعندما يباع اللتر رسميًّا بسعر مدعوم، ثم يصل في السوق الموازية إلى عدة أضعاف السعر، يصبح الوقود سلعة مغرية لشبكات المضاربة والتهريب.

وقد حذرت تقارير دولية من أن منظومة دعم الوقود في ليبيا خلقت حوافز قوية للتهريب بسبب الفارق الكبير بين الأسعار المحلية والأسعار في الأسواق المجاورة.

المشكلة ليست فقط في وجود مهربين، بل في وجود منظومة تسمح بتسرب الثروة المدعومة بعيدًا عن المواطن الذي يفترض أن يستفيد منها. فالوقود الذي تدفع الدولة مليارات لتوفيره، ينتهي أحيانًا في سوق موازية، بينما يقف المواطن في طوابير طويلة للحصول على كمية محدودة بالسعر الرسمي. وهنا يظهر السؤال الأصعب هل أزمة النافطة أزمة نقص موارد، أم أزمة إدارة ورقابة؟

ليبيا لا تفتقر إلى النفط، لكنها تعاني فجوة بين الثروة والإدارة. فالبلد الذي يصدر ملايين البراميل من النفط، يجد نفسه عاجزًا عن ضمان لتر ديزل لمستشفى أو محطة مياه أو منزل.

إن أزمة النافطة أصبحت مرآة تعكس أزمة أكبر دولة تمتلك مصادر الطاقة، لكنها لم تنجح في بناء منظومة مستقرة لتحويل هذه الثروة إلى خدمة تصل للمواطن.

شاحنات ليبيا تحت رحمة الديزل.. أزمة تضرب شريان نقل البضائع

أيضًا موضوع المحروقات وصل إلى ضرب الاقتصاد المحلي، حيث يواجه سائقو الشاحنات في ليبيا أزمة خانقة بسبب نقص الديزل وارتفاع أسعاره في السوق السوداء، في وقت يعتمد فيه قطاع النقل بشكل كامل على الوقود لتأمين حركة البضائع بين الشرق والغرب والجنوب، وتزويد المدن والمناطق بما تحتاجه من مواد غذائية وسلع أساسية ومستلزمات يومية.

الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي المدعوم للديزل والأسعار المتداولة خارج القنوات الرسمية كشفت حجم الخلل في منظومة الإمداد والتوزيع، وأصبحت تكاليف الوقود عبئًا إضافيًّا يهدد استمرار عمل أصحاب الشاحنات الذين يعتمدون على الديزل بشكل يومي لتسيير رحلاتهم الطويلة بين المدن.

ومع كل ارتفاع في سعر النافطة، ترتفع معه تكلفة النقل، لتنتقل الأزمة من خزانات الشاحنات إلى الأسواق مباشرة، حيث يدفع المواطن ثمن زيادة أسعار نقل السلع والبضائع.

وتزامنت أزمة الديزل مع الضغوط التي تواجهها شبكة الكهرباء نتيجة تراجع إمدادات الغاز الطبيعي، ما دفع إلى زيادة كميات الوقود الموجهة لمحطات توليد الكهرباء لتعويض النقص في الغاز. وأوضحت شركة البريقة لتسويق النفط أن الغاز الطبيعي يمثل المصدر الأساسي لتشغيل محطات الكهرباء، بينما يتم اللجوء إلى الديزل كوقود بديل.

وأكدت الشركة أن مسؤوليتها تتركز في توفير الوقود، بينما تقع مسؤولية إنتاج الغاز وكميات الضخ على الجهات المنتجة، مشيرة إلى أنها تعمل على تحقيق توازن بين احتياجات محطات الكهرباء ومتطلبات السوق المحلية، بما فيها قطاع النقل.

لكن هذا التوازن لم يمنع استمرار معاناة سائقي الشاحنات، الذين يؤكدون أن الحصول على الديزل بالسعر الرسمي أصبح صعبًا في بعض المناطق، ما يدفعهم إلى شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار مرتفعة للحفاظ على استمرار أعمالهم.

ويؤكد العاملون في قطاع النقل أن الديزل أصبح يلتهم جزءًا كبيرًا من دخل السائق، وأن تكلفة الرحلات بين المدن ارتفعت بشكل كبير بسبب زيادة الإنفاق على الوقود، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار نقل السلع والبضائع التي تصل إلى المواطن.

وعليه، فإن ارتفاع سعر الديزل لا يتوقف تأثيره عند سائقي الشاحنات فقط، بل يمتد إلى الأسواق مباشرة، فزيادة تكلفة تشغيل الشاحنات ترفع كلفة نقل البضائع بين المدن، وهو ما يدفع التجار والمنتجين إلى احتساب هذه الزيادة ضمن أسعار السلع، لتصل فاتورة أزمة الوقود في النهاية إلى المواطن الذي يواجه ارتفاعًا جديدًا في تكاليف المعيشة.

خاتمة

إن معالجة أزمة النافطة في ليبيا لا تكون بحلول مؤقتة أو بزيادة الشحنات عند اشتداد الأزمة، بل تحتاج إلى إصلاح شامل لمنظومة الطاقة، يبدأ بتطوير المصافي، وضمان الاستفادة من الغاز المحلي في تشغيل محطات الكهرباء، وتشديد الرقابة على توزيع الوقود ومواجهة التهريب. فاستقرار الديزل يعني استقرار قطاعات حيوية تمس حياة المواطن مباشرة، من الكهرباء والمياه إلى النقل والأسواق. فليبيا لا ينقصها النفط، بل تحتاج إلى إدارة تحوّل هذه الثروة إلى خدمة تصل إلى المواطن.

زر الذهاب إلى الأعلى