القطاع الصحي في أرقام بين الممكن والواقع الصحي القائم

بقلم / د.علي المبروك أبوقرين
حين نتحدث عن نظام صحي حديث في دولة نفطية صغيرة السكان مثل ليبيا، فإن النقاش لا ينبغي أن يبدأ بعدد المستشفيات ولا بعدد الموظفين ولا بحجم الميزانيات إنما بالسؤال الأساسي الذي تطرحه الأمم الناجحة على نفسها قبل أي شيء آخر وهو ماذا نريد من النظام الصحي أن يحقق؟ فغاية الصحة ليست إدارة المرض وإنما صناعة الصحة، وليست زيادة أعداد المرافق وإنما رفع جودة الحياة، وليست تضخم الهياكل الإدارية وإنما حماية الإنسان من المرض والعجز والإعاقة والفقر والوفاة المبكرة. وفي الدول التي تملك الموارد المالية الكافية وعددًا محدودًا من السكان تصبح الحجة التقليدية المتعلقة بندرة الإمكانات غير ذات معنى، لأن التحدي الحقيقي لا يكون في توفير الموارد إنما في حسن إدارتها وتحويلها إلى نتائج. ولو افترضنا أن مجموعة من خبراء الصحة العامة والتخطيط الصحي طُلب منهم تصميم نظام صحي جديد لدولة نفطية لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين وتمتلك موارد مالية ضخمة مقارنة بعدد السكان، فإن أول ما سيفكرون فيه لن يكون بناء مئات المؤسسات أو توظيف مئات الآلاف من العاملين إنما إنشاء نظام صحي موحد ومتكامل يبدأ من الوقاية وينتهي بأعلى درجات التخصص الطبي. نظام يقوم على الرعاية الصحية الأولية القوية، والسجلات الصحية الإلكترونية الشاملة، وقواعد البيانات الوطنية الدقيقة، والمراكز المرجعية المتخصصة، والتعليم الطبي عالي الجودة، والتمريض المتقدم، والإدارة الصحية الاحترافية، والحوكمة الرشيدة، وربط التمويل بالنتائج الصحية لا بعدد الموظفين. في مثل هذا النظام تكون كل ولادة وكل حالة سرطان وكل مريض سكري وكل مريض ضغط وكل عملية قلب وكل وصفة دوائية وكل سرير وكل طبيب وكل ممرض جزءًا من قاعدة بيانات وطنية واحدة. تعرف الدولة بدقة من يعمل وأين يعمل وماذا يقدم وما هي نتائج عمله وما هي احتياجات السكان الحقيقية خلال السنوات العشر والعشرين القادمة. لا توجد قرارات عشوائية ولا توسع ارتجالي ولا مؤسسات تنشأ لمجرد الوجود إنما منظومة تعرف نفسها وتعرف مرضاها وتعرف أهدافها. لكن عند الانتقال من هذا النموذج الممكن إلى الواقع القائم تظهر فجوة هائلة يصعب تصديقها. فبدل وجود نظام صحي متكامل نجد قطاعًا صحيًا متشظيًا تتوزع مسؤولياته بين عدد كبير من الجهات والهيئات والمجالس والمؤسسات المتداخلة. وبدل أن تكون البيانات هي أساس القرار، تصبح القرارات في كثير من الأحيان سابقة للبيانات أو منفصلة عنها بالكامل. وبدل أن تتحول الموارد إلى نتائج صحية، تتحول في أحيان كثيرة إلى نفقات تشغيلية متراكمة لا تنعكس بصورة ملموسة على صحة المواطنين. في النظام الصحي الحديث تُبنى القوى العاملة الصحية على أساس الكفاءة والتخصص والاحتياج الفعلي. أما في الواقع الليبي فنجد أكثر من 254 ألف عامل في القطاع الصحي، وهو رقم هائل بكل المقاييس، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس كم عدد العاملين إنما ما القيمة الصحية التي ينتجونها؟ فحين تتضخم الأعداد إلى هذا الحد بينما تبقى الخدمات الأساسية غير متاحة بصورة كافية فإن الرقم يتحول من مؤشر قوة إلى مؤشر خلل. وتصبح المشكلة ليست نقصًا في الموارد البشرية إنما في سوء توزيعها وسوء استثمارها وضعف تأهيلها. وفي النظام الصحي الذي يليق بدولة نفطية صغيرة السكان يفترض أن يكون الطبيب مشروعًا وطنيًا عالي القيمة. يفترض أن يُستثمر فيه منذ سنوات الدراسة الأولى ثم يُبتعث إلى أفضل الجامعات والمراكز الطبية العالمية ليعود حاملًا للمعرفة والخبرة والتكنولوجيا. لكن الواقع يكشف أن أكثر من سبعة عشر ألف طبيب لم تتح لهم فرص التخصص والتأهيل المتقدم في الجامعات والمستشفيات العالمية الكبرى، وهو ما يعني أن الدولة تمتلك كتلة ضخمة من الأطباء لكنها لم تستثمر بما يكفي في تحويلهم إلى خبراء وقادة تخصصات. وهكذا يصبح النقص الحقيقي ليس في عدد الأطباء إنما في عمق الخبرة التي يحملونها. وفي النظام الصحي الحديث يمثل الأخصائيون رأس الهرم المهني الذي تستند إليه الخدمات المتقدمة والتعليم الطبي والبحث العلمي. لكن من بين 3343 أخصائيًا يوجد ما يقارب ألف أخصائي يعملون خارج المنظومة العلاجية المباشرة، ما يترك ما يزيد قليلًا على ألفي أخصائي فقط لتحمل عبء الخدمات التخصصية في المستشفيات العامة والمصحات الخاصة والتعليم الطبي في أكثر من ثلاثين كلية طب، وعدد من الأكاديميات والبرامج المهنية والبورد الليبي والعربي والأنشطة العلمية المختلفة. وعندما يُطلب من هذا العدد المحدود أن يعالج ويُدرّس ويُدرّب ويُشرف ويُدير في الوقت نفسه فإن النتيجة الطبيعية هي الإرهاق المهني وضعف التغطية ونقص الخدمات المتخصصة. وفي الدول التي تمتلك نظمًا صحية متقدمة لا يكفي معرفة عدد الأخصائيين، إنما يجب معرفة توزيعهم التفصيلي. كم عدد أطباء الأورام؟ كم عدد جراحي الأورام؟ كم عدد استشاريي القلب؟ كم عدد جراحي القلب؟ كم عدد أطباء الأشعة التداخلية والطب النووي والعناية الحرجة والمناعة وزراعة الأعضاء والجينات الطبية والخصوبة والحقن المجهري والجراحة الروبوتية؟ هذه الأسئلة تعتبر بديهية في أي نظام صحي متقدم لأنها أساس التخطيط. أما عندما تغيب الإجابات الدقيقة فإن التخطيط نفسه يصبح ضربًا من التخمين. وفي النظام الصحي الممكن يكون التمريض أحد أهم أصول الدولة الاستراتيجية. فالممرض المتخصص في الأورام أو العناية المركزة أو الطوارئ أو القلب أو حديثي الولادة لا يقل أهمية عن الطبيب المتخصص نفسه. أما في الواقع فإن التمريض التخصصي غير موجود، كما أن حملة الدرجات العليا والاختصاصات الدقيقة في علوم التمريض يشكلون نسبة ضئيلة جدا لا تتناسب مع حجم الاحتياجات الصحية المعاصرة. وهكذا تبقى آلاف الوظائف التمريضية محصورة في أدوار عامة وأقل منها للأسف، بينما تتطلب الممارسة الحديثة مستويات متقدمة من المعرفة والاختصاص. وفي الدول المتقدمة لا يُدار القطاع الصحي بواسطة إداريين عامين إنما بواسطة متخصصين في الإدارة الصحية والتخطيط الصحي والاقتصاد الصحي والمالية الصحية والحوكمة والجودة وسلامة المرضى وإدارة المخاطر الصحية وسلاسل الإمداد والموارد البشرية الصحية. أما في الواقع الحالي فلا توجد صورة واضحة تكشف حجم الكفاءات المتخصصة العاملة في هذه المجالات داخل الكتلة الضخمة من الوظائف التيسيرية والإدارية. ولذلك تصبح المؤسسات كثيرة لكن القدرة الحقيقية على الإدارة الفعالة محدودة جدا أو مفقودة، وتتحول الهياكل التنظيمية إلى غاية في حد ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتحسين الخدمات. وفي النظام الصحي الحديث تُقاس المؤسسات بما تقدمه لا بعددها. أما الواقع فيضم 239 مؤسسة صحية عامة و1683 مرفقًا للرعاية الصحية الأولية وعشرات الهيئات والمجالس والمختبرات والمراكز والخدمات. ورغم هذا الانتشار العددي الكبير لا تزال الخدمات المرجعية المتقدمة محدودة ومجزأة وغير قادرة على تغطية الاحتياجات الوطنية بصورة شاملة. وهنا يظهر التناقض الصارخ بين وفرة الهياكل وندرة الوظيفة. ففي دولة تمتلك هذه الموارد كان من الطبيعي أن توجد منظومة وطنية متكاملة للسرطان تشمل الوقاية والكشف المبكر والتشخيص الدقيق والعلاج الجراحي والدوائي والإشعاعي والرعاية التلطيفية والبحث العلمي. وكان من الطبيعي أن توجد مراكز وطنية متقدمة للقلب والأعصاب وزراعة الأعضاء والطب النووي والجينات الطبية والعلاج التأهيلي والرعاية المنزلية والصحة النفسية والإدمان وطب الشيخوخة والأمراض النادرة. لكن الواقع يكشف أن أجزاء كبيرة من هذه الخدمات إما محدودة أو غير مكتملة أو غير متاحة بالقدر الذي يتناسب مع احتياجات السكان. وفي النظام الصحي الحديث تكون الرعاية الصحية الأولية هي الحارس الأول لصحة المجتمع. فهي التي تمنع المرض قبل حدوثه وتكتشفه مبكرًا وتتابع الأمراض المزمنة وتراقب صحة الأم والطفل وتدير برامج التطعيم والصحة المدرسية والصحة البيئية والتغذية والصحة النفسية. أما عندما تتحول الرعاية الأولية إلى مبانٍ بلا وظائف حقيقية فإن المستشفيات تُغرق بالحالات التي كان يمكن منعها أو علاجها مبكرًا، وتتحول المنظومة كلها إلى منظومة علاج مرض بدل منظومة صناعة صحة. أما القطاع الخاص ففي الدول الناجحة يخضع للضبط والرقابة ويعمل ضمن رؤية وطنية واضحة. لكنه لا يحل محل الدولة ولا يستنزف مواردها البشرية. أما في الواقع الليبي فإن جزءًا كبيرًا من القطاع الخاص يعتمد على الكوادر نفسها التي تمولها الدولة وتدفع رواتبها وتدربها. وهكذا لا يوجد فصل حقيقي بين القطاعين إنه نظام مزدوج تتحرك فيه الموارد البشرية نفسها بين المسارين العام والخاص، فتدفع الدولة التكلفة الأساسية بينما يتحمل المواطن جزءًا متزايدًا من الأعباء المالية. ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر الظواهر خطورة إذ تدفع الدولة أولًا تكلفة التعليم والتدريب والرواتب والتشغيل، ثم يدفع المواطن تكلفة العلاج في القطاع الخاص، ثم يضطر كثيرون إلى دفع تكلفة العلاج خارج البلاد عندما يعجز النظام الداخلي عن تلبية احتياجاتهم. إنها ثلاث طبقات من الإنفاق تنطلق جميعها من المصدر نفسه وتنتهي إلى النتيجة نفسها: غياب الخدمة الكافية. وفي الدول المتقدمة يُعد التعليم الطبي حجر الأساس للأمن الصحي الوطني. فكل كلية طب ترتبط بمستشفى جامعي حقيقي ومراكز محاكاة ومختبرات بحثية وهيئات اعتماد صارمة. أما التوسع الكمي في التعليم الطبي دون توسع مواز في البنية التحتية الأكاديمية والتدريبية فإنه ينتج أعدادًا أكبر من الخريجين دون ضمان جودة المخرجات. وعندما تصبح الشهادة أسرع نموًا من الكفاءة فإن النظام يبدأ في استهلاك مستقبله بيديه. إن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تقود إلى استنتاج صادم فليبيا لا تعاني من أزمة موارد إنما من أزمة نظام. ولا تعاني من نقص المؤسسات إنما من ضعف فعاليتها. ولا تعاني من قلة العاملين إنما من سوء توزيعهم وتأهيلهم. ولا تعاني من غياب الإنفاق إنما تعاني من غياب العائد على الإنفاق. وبينما تنشغل النقاشات العامة بعدد المستشفيات وعدد الأطباء وعدد الموظفين، يبقى السؤال الحقيقي غائبًا: أين النتائج الصحية التي يفترض أن تنتج عن كل هذه الموارد؟ ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضافة مؤسسة جديدة أو هيئة جديدة أو بند مالي جديد إنما بإعادة تعريف وظيفة القطاع الصحي بالكامل. يبدأ ببناء نظام صحي وطني موحد قائم على البيانات والحوكمة والكفاءة والتخصص والرعاية الأولية والوقاية والعدالة. يبدأ بمعرفة من يعمل وماذا يعمل وأين يعمل. ويبدأ بتحويل الطبيب إلى خبير، والممرض إلى محترف تخصصي، والمستشفى إلى مؤسسة إنتاج صحي، والإنفاق إلى نتائج قابلة للقياس. عندها فقط ستتحول الأرقام من عبء ثقيل إلى قوة وطنية، ومن دليل على الفوضى إلى دليل على النجاح، ومن شاهد إدانة إلى شهادة تفوق. أما ما لم يحدث ذلك فستظل الأرقام تكبر عامًا بعد عام، بينما تبقى الفجوة بين النظام الصحي الممكن والنظام الصحي القائم أكبر من أن تخفيها أي إحصائية وأعمق من أن يعالجها أي إنفاق إضافي.
