الأمن القومي بين مطرقة الفوضى وسندان الجهل ـ الجزء الأول

بقلم/ أبو صاع زامونة
يمثل الأمن القومي الأهمية القصوى للدولة وهو بمثابة جهاز المناعة لمؤسسات الدولة داخليًّا وخارجيًّا والتعامل مع الأحداث إستراتيجيًّا قبل وقوعها وإبطال مفعولها دون إحداث أي تأثير أو ضرر على هيكلية الدولة ومؤسساتها وتجنيبها المخاطر المحتملة التي تهدد أمنها واستقرارها وكينونتها ووجودها، ومن أهم المخاطر التي تؤثر على الأمن القومي التهديدات المستمرة للجماعات المتطرفة والهجمات السيبرانية والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية والافتقار للأمن الرقمي وتدفق الثقافات الأجنبية عبر وسائل الاتصال والتواصل المختلفة والمتنوعة وملف الهجرة غير الشرعية والمال الفاسد والتعليم في الداخل والخارج والاختراق المركب للعقول لخلق جيل مشوه ذهنيًّا والتجنيد غير المباشر وطمس الهوية الثقافية للمجتمع والفرد والإخلال بالمعتقد (التنصير والإلحاد) ودعم التفاهة والتافهين.
يرتكز الأمن القومي على ثلاثة مستويات:
_ المستوى المحلي.
_ المستوى الإقليمي.
_ المستوى الدولي.
هذه المستويات الثلاثة كل منها لا يقل أهمية عن الآخر، فالمستوى المحلي له مسبباته وآثاره المجتمعية التي تؤثر بالسلب على الأمن القومي للدولة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وغيرها من النواحي، أما المستوى الإقليمي فهو يتمتع بخاصية تختلف عن المستوى الأول من حيث العوامل والمحددات والأدوات وكيفية التعاطي، وفيما يتعلق بالمستوى الدولي فهو أشد خطورة من المستويين السابقين، ويمكننا تحديد ماهيته وأوجه الخطورة المترتبة عليه بحيث يتم التعامل معه وفقًا لآليات تتسم بالتكاملية المؤسساتية الموجهة والمؤطرة، أما عن ماهية الأمن القومي فقد برز مصطلح الأمن القومي عقب الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك لحاجة الدول المنتصرة ما يسمى بالحلفاء لبسط الأمن واحتواء الفوضى التي تفشت في المجتمعات الغربية كأثر من آثار الحرب وارتداد طبيعي لأعنف حرب في تاريخ البشرية، ومن هنا بدأت بعض الدول بهيكلة واستحداث الأجهزة الأمنية كالسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا بهدف فرض الأمن وبسط سلطة الدولة على أراضيها، وكان ذلك في منتصف ستينيات القرن الماضي، ورغم محدوديته فإنه كان بمثابة وضع حجر الأساس لمفهوم الأمن الذي تطور فيما بعد وأخذ أشكالًا وصورًا متعددة، وكانت ولا تزال دول العالم كبيرها وصغيرها قويها وضعيفها توليه الأهمية القصوى وتغدق عليه الأموال الطائلة باعتباره سبب وجودها وديمومتها، وأصبحت كل دولة تبتكر وتطور الأساليب والأدوات الخاصة بها التي تضمن سلامة مصالحها وسيادتها على أراضيها.
وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي طفا على السطح مصطلح جديد في الولايات المتحدة، وهو مصطلح الأمن القومي الذي نحن بصدد الحديث عنه لأهميته البالغة والملحة والعاجلة في ظل ما تمر به البلاد من مخاطر وتوترات وحروب وصراعات ومؤامرات خارجية تستهدف ما تبقى من أركان الدولة في غياب تام لجهاز الأمن القومي الحقيقي الذي تنصاع له كافة الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمؤسساتية، والذي يقوّم عملها ويضع الخطط والدراسات والسياسات الإستراتيجية التي تمكنها من أداء مهامها على النحو المطلوب، ما يعزز من تحصين وحماية البلاد من أي خروقات تؤثر على البنية المجتمعية والسياسية والأمنية.
وهذا الملف يجب أن يحظى بأولوية ويتم التعامل معه وفق رؤية شاملة محاطة بأدق التفاصيل، ولا يتم العبث به وإيلاؤه لأشخاص غير مدركين لخطورة المرحلة وحساسيتها، فالمخاطر تحدق بنا من كل جانب، فما يحدث في السودان والدول الأفريقية المتاخمة لنا، وما يحاك للجزائر بهدف إسقاطها في مستنقع الفوضى، وما يحدث إقليميًّا من تبلور وتغير في التحالفات بين كل من مصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإيران والجزائر وغيرها من الدول، أما على الصعيد الدولي فالمشهد أيضًا في تغير مطرد بين معسكري الشرق والغرب والخطوات غير المدروسة دائمًا ما يكون ثمنها باهظًا، والأحداث في تسارع كل يوم، بل كل ساعة، ونحن أبعد ما نكون عن الواقع، وهذا ما ينبغي أن يقال دون مواربة أو تدليس.
والعلاج الأنجع هو سد الفجوات الموجودة بشكل موضوعي وعلى رأسها الأمن القومي الذي يجب أن يقوم بدوره على أكمل وجه من خلال أدوات مغايرة لما هو متعارف عليه من أساليب تقليدية لم تعد تجدي نفعًا، فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالأمس القريب تعالت أصواتهما وتوالت اجتماعاتهما خوفًا من الذكاء الاصطناعي أو ما يعرف بــ (Ai) لأنهم يرونه خطرًا داهمًا يهدد أمنهم القومي بحسب تصريحات الرئيس السابق بايدن ورئيس الوزراء البريطاني، فالذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم في تجنيد المراهقين لتنفيذ عمليات إرهابية من خلال تطبيقات للدردشة على مواقع التواصل.
ومجمل الكلام وديدنه إننا في تحدٍ كبير وسباق محموم مع عقارب الزمن، فالأمن القومي وما ينضوي تحته من الأمن الاقتصادي والغذائي والسكاني والجيني وأمن المعلومات والأمن الجيوأستراتيجي وأمن الحدود وأمن الكوارث وأمن الطاقة والأمن البيئي والأمن المائي والأمن الفكري والأمن الاجتماعي والأمن المذهبي والطائفي والعرقي والقبلي والجهوي والأمن العلمي والمنهجي والأمن العقائدي أو العقدي والأمن السوسيولوجي التربوي والمجتمعي والديني والإعلامي والسياسي، تُشكِّل منظومةً واحدةً لا تحتمل التفريط أو التجزئة.
يتبع في العدد القادم.
