مقالات الرأي

من صعود الإسلام السياسي إلى الانكماش



بقلم/ يوسف امحمد الشريف

على مدى عقود، لم تكن جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية مجرد ظاهرة دينية أو دعوية، بل أصبحت جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي في عدد كبير من الدول العربية، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة، والأزمات الاقتصادية، والحروب، والفراغ السياسي، ومن قدرتها على بناء شبكات اجتماعية وتنظيمية عابرة للحدود. غير أن المشهد العربي اليوم يختلف بصورة واضحة عن بدايات صعود الإسلام السياسي، خصوصًا بعد تجربة ما سمي بالربيع العربي، التي منحت بعض هذه القوى فرصة تاريخية للوصول إلى الحكم أو التأثير المباشر في القرار السياسي.

الأهم أن الانكماش السياسي لا يعني بالضرورة الاختفاء الاجتماعي أو الفكري. فالحركات الإسلامية فقدت في دول عديدة جزءًا مهمًّا من نفوذها الانتخابي والتنظيمي، وتعرضت جماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص لانقسامات وضغوط أمنية وقانونية وسياسية متزايدة. وفي 13 يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة تصنيف فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية عالمية، في خطوة تعكس انتقال النظرة إلى بعض مكونات الحركة من المنافسة السياسية إلى مسألة أمنية وجيوسياسية.

لكن المفارقة أن الانكماش التنظيمي لا يعني نهاية الفكرة. فجيل الشباب العربي يعيش في فضاء مختلف؛ لم يعد يتلقى الأفكار عبر المسجد أو الخلية التنظيمية أو المنشور الورقي فقط، بل عبر الهاتف والمنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة والمؤثرين وشبكات التواصل العابرة للحدود. وتشير بيانات حديثة من الباروميتر العربي إلى أن المواقف من دور الدين في السياسة ليست في اتجاه واحد؛ ففي بعض الدول ارتفع بين 2018-2019 و2022-2023 تأييد إعطاء الدين دورًا أكبر في السياسة، وكان الشباب في بعض البلدان من أكثر الفئات دفعًا لهذا التحول. كما تظهر بيانات أحدث أن الباروميتر العربي نفذ موجته التاسعة بين سبتمبر 2025 ومايو 2026، ما يعكس استمرار التحولات في علاقة الأجيال الجديدة بالدين والسياسة.

لذلك فإن المعركة القادمة ليست فقط مع التنظيمات، بل مع الأسباب التي تمنح خطابها قابلية الانتشار: البطالة، الإحباط، الظلم، الفساد، الحروب، ضعف التعليم، أزمة الهوية، وانعدام الثقة في المؤسسات. ولا ينبغي الخلط بين التدين الطبيعي للمجتمعات العربية والإسلام السياسي؛ فالدين ملك للمجتمع، أما توظيفه كأداة للسلطة فهو مشروع سياسي قابل للنقد والمساءلة.

وفي أوروبا والولايات المتحدة أيضًا، لا يمكن اختزال المسلمين الشباب في تيار واحد، لكن الجدل حول شبكات الإسلام السياسي وتأثيرها المجتمعي والسياسي أصبح أكثر حضورًا. وقد شهد البرلمان الأوروبي في 2025 نقاشًا حول روابط مزعومة بين بعض المنظمات الشبابية الأوروبية وشبكات الإخوان، بما يؤكد أن الملف أصبح محل اهتمام سياسي وأمني داخل أوروبا.

إن مستقبل المنطقة لن تحدده الشعارات الدينية ولا الشعارات العلمانية وحدها، بل قدرة الدولة الوطنية على بناء المواطنة، والعدالة، والتعليم، والاقتصاد، وفتح المجال أمام الشباب. فحين تفشل الدولة في تقديم الأمل، تظهر التنظيمات التي تبيع الوعد بالخلاص. وحين تستعيد الدولة ثقة المواطن، تضيق المساحة التي تعيش عليها الأيديولوجيات المغلقة، مهما تغيّرت أدواتها وأسماؤها.

زر الذهاب إلى الأعلى