مقالات الرأي

الصحة الغائبة والإنسان المنسي

بقلم/ د.علي المبروك أبوقرين


في ليبيا اليوم لا تمر المأساة من باب واحد إنها تتدفق من كل الأبواب دفعة واحدة، كأن المرض صار قدرا جماعيا يختبر قدرة الإنسان على الاحتمال وحدود الأسرة على الصمود.

هنا لا نتحدث عن مرض عابر أو حالة طبية يمكن احتواؤها إنما عن منظومة كاملة غابت فغاب معها الأمان الصحي وتحول البيت إلى مستشفى بدائي، وتحولت الأم إلى ممرضة والأب إلى مسعف والأخ إلى مرافق دائم دون تدريب وبدون أدوات وبدون سند.

الجلطات الدماغية لم تعد أحداثا طارئة أصبحت مشهدا متكررا نتيجة سنوات من الإهمال لأمراض الضغط والسكري والكوليسترول، وغياب الرعاية الصحية الأولية التي كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول.

المريض لا يُكتشف إلا بعد الكارثة، ولا يُتابع إلا حين يفقد القدرة على الكلام أو الحركة.

هنا لا تسقط الشرايين فقط إنما يسقط معها نظام صحي كان يجب أن يمنع ذلك من البداية. وفي زاوية أخرى من الألم يقف مريض الزهايمر أو الاضطرابات النفسية، تائها داخل عقله بينما تقف أسرته تائهة خارجه. لا توجد مؤسسات تحتضن، ولا مستشفيات أو مراكز مختصة مجهزة، ولا توجد فرق مدربة قادرة على التعامل مع الهياج أو الذهان أو الاكتئاب الحاد.

الأسرة وحدها في مواجهة سلوكيات لا تفهمها، ونوبات لا تستطيع السيطرة عليها، وخوف دائم من أن يؤذي المريض نفسه أو غيره.

ومع الوقت لا ينهار المريض وحده إنما تنهار معه الأسرة نفسيا وعاطفيا في صمت قاس لا يسمعه أحد. ثم تأتي الأمراض التنكسية كضمور العضلات والتصلب اللويحي، حيث الزمن نفسه يصبح عدوا.

كل يوم يسرق جزءا من الحركة وجزءا من القوة وجزءا من الحياة. لا يوجد تشخيص دقيق ولا علاج مستمر ولا أجهزة متوفرة، ولا دعم تنفسي ولا يوجد تأهيل حركي منظم. يتحول الجسد تدريجيا إلى سجن وتتحول الأسرة إلى وحدة عناية مركزة منزلية بوسائل بدائية، تحاول أن تمنع الاختناق، وأن تؤجل التيبس، وأن تحفظ ما تبقى من كرامة الجسد.

أما مرضى السرطان في مراحله المتقدمة فقصتهم هي ذروة الألم الإنساني. ليس فقط بسبب المرض إنما بسبب الطريق الطويل المليء بالعجز.

الألم لا يُسيطر عليه كما يجب، والرعاية التلطيفية غائبة نهائيا، والأدوية غير منتظمة إن توفرت أصلًا، والخدمات المركزة محدودة جدا.

والأسرة تبيع ما تملك وتستدين وتستنزف كل ما لديها من مال وأمل، فقط لتشتري وقتا إضافيا ويوما آخر أو جرعة علاج قد تصل أو لا تصل.

ولا يمكن إغفال ضحايا الحوادث والنزاعات والتي سجلت ليبيا نفسها في الصدارة، الذين يجدون أنفسهم فجأة أمام إعاقة دائمة شلل وبتر وإصابات دماغية تحتاج إلى إعادة تأهيل طويلة ومعقدة.

لكن أين مراكز التأهيل؟ وأين الأطراف الصناعية المتطورة؟ وأين الدعم النفسي؟ المصاب لا يفقد فقط قدرته الجسدية إنما يفقد مكانه في الحياة، في مجتمع غير مهيأ أصلا لاحتواء الإعاقة. في كل هذه الصور القاسم المشترك ليس المرض فقط إنه الغياب. غياب النظام وغياب التخطيط وغياب العدالة الصحية.

لا توجد رعاية أولية حقيقية، ولا مسارات علاج واضحة، ولا تكامل بين المستويات الصحية، لا توجد كوادر كافية، ولا تمريض متخصص، ولا توجد فرق متعددة التخصصات، ولا تتوفر أدوية موثوقة وآمنة وناجعة ومستقرة. كل شيء متقطع وهش وغير مضمون.

وهنا تتحول الأسرة إلى خط الدفاع الأخير لكنها ليست مؤهلة لهذه الحرب.

هي مرهقة ومحدودة الإمكانيات وقليلة الخبرة وفي كثير من الأحيان فقيرة. ومع ذلك تُجبر على القيام بأدوار طبية معقدة إعطاء أدوية ومراقبة أجهزة والتعامل مع طوارئ، واتخاذ قرارات مصيرية.

وأي خطأ قد يكون قاتلا وأي تقصير ليس بسبب الإهمال إنما بسبب العجز. هذه ليست مجرد أزمة صحية إنها أزمة كرامة إنسانية.

لأن الصحة هي الحد الأدنى من العدالة. وما يحدث اليوم هو أن المرضى يدفعون ثمن غياب النظام الصحي، والأسر تدفع ثمن ضعف الدولة، والمجتمع كله يدفع ثمن تأجيل الإصلاح.

ما يجب أن يكون واضحا الآن دون تجميل أو تأجيل أن الحلول الجزئية لم تعد كافية، وأن العمل الخيري وحده لا يستطيع سد هذا الفراغ الهائل. المطلوب إعادة بناء كاملة لمنظومة الصحة، تبدأ من الوقاية التنبؤية والرعاية الاستباقية والرعاية الأولية والوقائية، ومن الكشف المبكر، ومن متابعة الأمراض المزمنة قبل أن تتحول إلى كوارث. المطلوب مستشفيات حقيقية ومراكز متخصصة وكوادر مدربة، وأنظمة إمداد دوائي مستقرة، ومسارات علاج واضحة تحمي المريض من الضياع.

المطلوب أيضا الاعتراف بأن الأسرة ليست بديلا عن النظام الصحي ولا يجب أن تُترك وحدها في هذه المعركة. دعمها واجب وتدريبها ضرورة، وحمايتها جزء من حماية المجتمع كله.

لأن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط مزيدا من المرض إنما يعني مجتمعا يُستنزف ببطء وأجيالا تُرهق قبل أوانها ووطن يفقد أهم ما يملك إنسانه وإنسانيته. لقد تجاوزنا مرحلة التحذير ودخلنا مرحلة الحقيقة القاسية. إلى متى سيستمر هذا النزيف.

حين يُترك مريض الجلطة ليسقط لأن ضغطه لم يُقَس يوماً، وحين يُربط مريض الزهايمر بباب بيته خوفاً عليه لأنه لا توجد مؤسسة تحميه، وحين يختنق طفل بمرض عضلي لأن جهاز التنفس غير متوفر، وحين يصرخ مريض السرطان من الألم لأن دواءه مفقود فهذه ليست حوادث منفصلة، هذه شهادة وفاة لمنظومة كاملة.

المأساة لم تعد في المرض إنما في أننا اعتدنا عليه. اعتدنا أن تبيع الأسرة بيتها لتشتري دواء، أن تسهر الليالي لتؤدي دور طبيب وممرض في آن واحد، وأن تعيش الخوف كل يوم كأنه قدر لا يُناقش.

اعتدنا أن يكون العلاج صدفة والدواء مغامرة والحياة نفسها رهناً بالحظ.

وهذا أخطر ما في الأمر حين يتحول غير المقبول إلى واقع يومي.

ما يحدث اليوم ليس نقص إمكانيات فقط إنما غياب إرادة وغياب رؤية وغياب إحساس بحجم الكارثة.

لأن أي نظام صحي حقيقي يُقاس بعدد الأرواح التي يحميها قبل أن تنهار.

اليوم، في ليبيا الإنسان يُترك وحيداً في مواجهة المرض وهذه ليست أزمة خدمات، هذه خيانة لفكرة الدولة نفسها. إما أن يُعاد بناء هذا النظام من جذوره، الآن وليس غداً، برؤية واضحة تجعل الصحة حقاً وليس امتيازاً، أو سنستمر في عدّ الضحايا حتى يأتي يوم لا يبقى فيه من يعد.
كم روحاً أخرى يجب أن تُكسر حتى يبنى نظام صحي موحد وقوي وعادل وفعال ؟

زر الذهاب إلى الأعلى