من المغرب العربي إلى القرن الإفريقي: جغرافيا واحدة، شعوب متقاربة، وتحدي بناء القوة المشتركة

بقلم/ محمد نبيغ
عندما ننظر إلى الخريطة الممتدة من شواطئ المحيط الأطلسي غربًا إلى سواحل البحر الأحمر وخليج عدن شرقًا، ندرك أننا أمام واحد من أهم الأقاليم الاستراتيجية في العالم؛ إقليم يجمع بين المغرب العربي ومصر والسودان والقرن الإفريقي، ويضم أكثر من 500 مليون نسمة تقريبًا ضمن مجال حيوي ومتصل يربط بين العالم العربي والقارة الإفريقية. إنها رقعة تجمع بين عراقة التاريخ، وثراء الجغرافيا، وحيوية الديمغرافيا، وتنوع الثروات، وتتطلع دومًا إلى سؤال استراتيجي جامع: كيف تتحول هذه الإمكانات الهائلة من طاقة كامنة إلى قوة اقتصادية وتنموية وحضارية شاملة؟
إن قوة هذا الفضاء تنبع أولًا من رصيده البشري. فمصر تشكل كتلة ديمغرافية مهمة تتجاوز 110 ملايين نسمة، وتضم دول المغرب العربي (الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا) أكثر من 100 مليون نسمة، ويقترب السودان من 50 مليون نسمة، بينما تضم دول القرن الإفريقي (إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا) أكثر من 130 مليون نسمة. نحن أمام طاقة بشرية ضخمة، تشكل الفئات العمرية الشابة شريانها الأساسي، وهي طاقة إنتاج وإبداع تتطلع دومًا إلى فتح آفاق أوسع للتنمية والابتكار.
هذه الكتلة البشرية تحمل رصيدًا حضاريًّا وإنسانيًّا متينًا؛ فاللغة العربية تجمع الملايين في هذا المجال، والإسلام يشكل مكونًا تاريخيًّا وثقافيًّا جامعًا، إلى جانب ثراء المكونات الثقافية المحلية. كما تتقاطع القيم الاجتماعية في هذا الفضاء بشكل واضح: محورية الأسرة، التكافل الاجتماعي، التضامن الإنساني، والتجارة القائمة على الثقة، وقيم الضيافة الأصيلة الممتدة من المدن المغاربية إلى وادي النيل وسواحل القرن الإفريقي.
فالإنسان في هذه المنطقة يحمل ذاكرة اجتماعية وتاريخية متقاربة؛ صاغتها ملامح الأسواق القديمة في فاس وتونس والقاهرة، والقوافل التي ربطت شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، وطرق التجارة البحرية التي جعلت البحر الأحمر والمحيط الأطلسي والمتوسط جسورًا للتواصل بين الحضارات.
واليوم، يقف هذا الفضاء أمام فرصة استثنائية لبناء سوق مشتركة وتكامل اقتصادي أوسع، يستند إلى مقومات متكاملة يكمل فيها كل طرف الآخر:
المغرب العربي يمتلك موارد طاقية ومعادن مهمة، وقدرات صناعية وزراعية متطورة، وموقعًا استراتيجيًّا على المتوسط والأطلسي.
مصر تمثل سوقًا استهلاكية ضخمة، وقاعدة صناعية وحضرية متنامية، وتضم قناة السويس التي تعد شريانًا رئيسيًّا للتجارة العالمية.
السودان يمتلك مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية وثروات طبيعية تجعله ركيزة أساسية للأمن الغذائي الإقليمي.
القرن الإفريقي يمتلك موقعًا حاكمًا على البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي، إلى جانب ثروات سمكية وحيوانية وفرص واعدة في اللوجستيات.
إن تجارب التكتلات الإقليمية حول العالم تُظهر أن بناء الشراكات الراسخة يعتمد -بالدرجة الأولى- على توثيق المصالح الاقتصادية والتنموية المباشرة. فالربط اللوجستي، والسكك الحديدية، والموانئ المتكاملة، وتسهيل المبادلات التجارية، والتعاون العلمي والأكاديمي، والاستثمارات المشتركة، هي الروافد الحقيقية التي تصنع التقارب المستدام.
ومن هنا، فإن نموذج التعاون المطلوب بين دول المغرب العربي ومصر والسودان والقرن الإفريقي يمكن أن يركز على بناء فضاء تعاون استراتيجي مرن، يركز على المحاور العملية:
الاهتمام بالمواطن والشباب: بحيث يلمس المواطن في هذه الدول أثر الشراكة من خلال توفير فرص العمل، والتدريب، والتبادل العلمي والمعرفي، وتسهيل تنقل الاستثمارات والأفكار.
التكامل التنموي والمؤسسي: من خلال الانتقال إلى مشاريع المستقبل؛ كربط الموانئ البحرية، وإنشاء مناطق اقتصادية لوجستية، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والمائي، وتنسيق الجهود في المحافل الدولية لصالح تنمية المنطقة ورخاء شعوبها.
إن الجغرافيا منحت هذا الإقليم موقعًا فريدًا يربط بين البحار والمحيطات، والتاريخ منحه إرثًا حضاريًّا غنيًّا، والديمغرافيا منحته طاقة بشرية متجددة. ويبقى التطلع دائمًا نحو تعزيز الإرادة المشتركة التي تحول القرب الجغرافي والتشابه الثقافي إلى شراكة اقتصادية وتنموية واعدة تخدم تطلعات جميع شعوب المنطقة نحو المستقبل.
