الدواء في ليبيا.. عندما تحوَّل الحق إلى تجارة

لا تبدأ أزمة الدواء في ليبيا عند رفوف الصيدليات، ولا تنتهي عند اختفاء صنف علاجي أو ارتفاع سعر مستحضر طبي، فهذه ليست سوى النتائج الظاهرة لمسار طويل من التحولات التي مست واحدة من أكثر المنظومات ارتباطًا بحياة الإنسان، فالدواء ليس سلعة استهلاكية عادية، وإنما عنصر أساسي في منظومة الأمن الصحي، وأحد الحقوق التي تلتزم الدول بحمايتها من خلال التخطيط والرقابة وضمان الجودة.
ولسنوات طويلة، ارتبط الحديث عن الدواء في ليبيا بمنظومة وفرت العلاج مجانًا، واعتمدت على التخطيط المركزي، والشراء وفق الاحتياج الفعلي، والرقابة على جودة المستحضرات الدوائية منذ خروجها من المصنع وحتى وصولها إلى المريض، لكن هذه المنظومة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتحولات عميقة انعكست على جميع مراحلها، بدءًا من تحديد الاحتياجات، مرورًا بالاستيراد والتخزين والتوزيع، وانتهاءً بوصول الدواء إلى المواطن.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح: لماذا اختفى دواء معين؟ بل أصبح السؤال الأكبر: كيف انتقلت ليبيا من منظومة كانت تنظر إلى الدواء باعتباره حقًّا تكفله الدولة، إلى سوق أصبحت تحكمها اعتبارات الربح، والاعتمادات، وضعف الرقابة، وظهور قنوات توريد موازية؟ وهل تكمن المشكلة في نقص الإمكانات، أم في تفكك المنظومة التي كانت تدير هذا القطاع؟
هذا التحقيق يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال تتبع رحلة الدواء في ليبيا، وكيف تغيرت فلسفة إدارته، وما الذي جعل ملفًّا يرتبط مباشرة بصحة الإنسان يتحول إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل.
منظومة صنعت الأمن الدوائي
لفهم ما آلت إليه أوضاع الدواء في ليبيا اليوم، لا بد من العودة إلى المرحلة التي تشكلت فيها المنظومة الصحية الحديثة، حين اعتُبر العلاج حقًّا أساسيًّا للمواطن، وأصبحت الدولة مسؤولة عن توفيره باعتباره جزءًا من مسؤوليتها الاجتماعية، لا خدمة تخضع لقواعد السوق.
منذ سبعينيات القرن الماضي، شهد القطاع الصحي توسعًا كبيرًا في إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات التخصصية، وارتبط هذا التوسع بوضع سياسة دوائية واضحة، تقوم على أن الدواء جزء لا يتجزأ من الخدمة الصحية، وأن توفيره لا يقل أهمية عن إنشاء المستشفى أو تدريب الطبيب.
ولذلك، لم يكن المواطن يتحمل تكلفة الدواء في أغلب الخدمات الصحية العامة، بل كان يحصل عليه مجانًا من خلال المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخارجية، ضمن منظومة متكاملة تبدأ بتحديد الاحتياجات وتنتهي بوصول العلاج إلى المريض.
ولم يكن استيراد الدواء عملية تجارية مفتوحة، بل كان يخضع لمسار فني وإداري دقيق. فالمستشفيات والمراكز الصحية كانت تحصر احتياجاتها الفعلية من المضادات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة، والأورام، والتطعيمات، وبقية المستحضرات الطبية، ثم ترفع هذه البيانات إلى لجان فنية متخصصة داخل وزارة الصحة، تتولى مراجعتها وتجميعها في خطة وطنية موحدة تحدد احتياجات البلاد من الأدوية وفق مؤشرات علمية وعدد المرضى وطبيعة الخدمات الصحية.
وبناءً على هذه الخطة، كانت تطرح المناقصات أمام شركات ومصانع دوائية معروفة عالميًّا، تتمتع بسجل مهني معتمد، وتلتزم بشهادات المنشأ والمواصفات القياسية الدولية. ولم يكن معيار الاختيار هو السعر وحده، وإنما جودة المنتج، واعتماد المصنع، وقدرته على الالتزام بالمعايير الفنية المطلوبة.
ولهذا اكتسبت منظومة الدواء في ليبيا، خلال تلك المرحلة، سمعة جيدة من حيث جودة المستحضرات المتداولة، إذ كانت المواصفات المعتمدة تقترب من المعايير المطبقة في كثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بجودة التصنيع، أو إجراءات الفحص، أو الرقابة على سلسلة التوريد.
ولم تكن هذه النتيجة وليدة الصدفة أو وفرة الموارد المالية، وإنما ثمرة منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والرقابة والمساءلة. فالمعيار لم يكن حجم الإنفاق على الدواء، بل ضمان وصول مستحضر آمن وفعال إلى المريض.
وكانت رحلة الدواء تبدأ قبل وصوله إلى الموانئ الليبية بوقت طويل، إذ تخضع الشركات الموردة والمصانع المنتجة لإجراءات اعتماد وتقييم، كما يتم التحقق من شهادات المنشأ ومطابقة المستحضرات للمواصفات الفنية، قبل أن تصل الشحنات إلى البلاد لتخضع بدورها لمراحل أخرى من الفحص والتحليل.
بهذا المعنى، لم يكن الأمن الدوائي مجرد شعار، بل منظومة متكاملة تحكمها إجراءات واضحة، تبدأ من تحديد الاحتياجات، وتمر عبر التوريد والرقابة والتخزين، وتنتهي بوصول الدواء إلى المريض بالجودة التي صُنع من أجلها.
غير أن هذه المنظومة بدأت تتعرض لاختبارات صعبة مع التحولات التي شهدها القطاع الصحي خلال السنوات اللاحقة، حيث تراجعت آليات التخطيط والرقابة، وظهرت اختلالات مست مختلف حلقات سلسلة الإمداد الدوائي، لتبدأ رحلة أخرى مختلفة تمامًا؛ رحلة انتقل فيها الدواء تدريجيًّا من كونه حقًّا تكفله الدولة إلى سلعة تتداخل فيها الاعتبارات التجارية مع الاحتياجات الصحية.
عندما أصبح الدواء تجارة
لم يكن التحول الذي أصاب قطاع الدواء في ليبيا مجرد تغير في مصادر الاستيراد أو أسماء الشركات الموردة، بل كان تحولًا في فلسفة إدارة هذا القطاع. فبينما كانت المنظومة الصحية تنظر إلى الدواء باعتباره حقًّا عامًّا تلتزم الدولة بتوفيره وفق احتياجات المواطنين، بدأت خلال السنوات الأخيرة تتشكل سوق جديدة أصبح فيها الدواء نشاطًا اقتصاديًّا عالي الربحية، تتقاطع فيه المصالح التجارية مع واحدة من أكثر الخدمات ارتباطًا بحياة الإنسان.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاتجار بالدواء ليس ظاهرة ليبية خالصة، فصناعة الدواء تُعد اليوم من أكبر الصناعات في العالم، وتحقق شركاتها عوائد مالية ضخمة، كما أصبحت الخدمات الصحية في كثير من الدول مجالًا للاستثمار والربح. إلا أن الدول التي تمتلك مؤسسات رقابية قوية وتشريعات صارمة نجحت في تحقيق توازن بين البعد الاقتصادي وحق الإنسان في الحصول على علاج آمن وفعال، بينما تتحول المشكلة إلى أزمة حقيقية عندما تضعف مؤسسات الدولة وتفقد قدرتها على تنظيم السوق ومراقبة حركة الدواء.
وفي ليبيا، جاءت التحولات السياسية والإدارية التي شهدتها البلاد لتفتح الباب أمام واقع مختلف. فقد أدى ضعف مؤسسات الرقابة، والانقسام الإداري، وتراجع منظومة التخطيط، إلى ظهور سوق واسعة للدواء، لم تعد تتحكم فيها الاحتياجات الصحية وحدها، بل دخلتها اعتبارات الربح السريع، وأصبحت الاعتمادات المالية المخصصة لاستيراد الأدوية هدفًا اقتصاديًّا بحد ذاتها، الأمر الذي جذب إلى هذا القطاع مستثمرين وتجارًا لا يرتبط كثير منهم بالمهن الطبية أو الصيدلانية.
ومع اتساع هذا النشاط، تغيرت طبيعة المنافسة داخل سوق الدواء. ففي السابق كانت الشركات تتنافس على جودة المنتج والالتزام بالمواصفات وسجلها المهني، بينما أصبحت المنافسة في بعض الحالات تدور حول قيمة الاعتمادات، وسرعة الحصول على العقود، وحجم الشحنات المستوردة، حتى وإن لم تكن جميعها مرتبطة باحتياجات المؤسسات الصحية الفعلية.
من يحدد احتياجات ليبيا من الدواء؟
كان تحديد الاحتياجات يمثل الركيزة الأساسية للمنظومة الدوائية. فالمستشفى هو الذي يعرف عدد المرضى الذين يعالجهم، والأقسام الطبية تحدد أنواع الأدوية التي تحتاج إليها، والمراكز الصحية ترفع احتياجاتها بصورة دورية إلى لجان فنية متخصصة داخل وزارة الصحة، لتقوم هذه اللجان بمراجعة البيانات، وتجميعها في خطة وطنية تعكس الاحتياج الحقيقي للسوق الليبية.
وبعد اعتماد هذه الخطة، تُطرح المناقصات أمام الشركات المنتجة، وتُقارن العروض وفق معايير الجودة والسعر والاعتماد الفني، ثم يجري التوريد وفق كميات مدروسة تستجيب لاحتياجات المؤسسات الصحية، وليس لرغبات الموردين أو قيمة العقود.
هذا المسار المؤسسي كان يحقق هدفين في الوقت نفسه؛ الأول ضمان توفر الدواء بالكميات المناسبة، والثاني منع الهدر المالي الناتج عن شراء مستحضرات لا تحتاج إليها المؤسسات الصحية.
لكن مع تراجع منظومة التخطيط، لم يعد هذا التسلسل يعمل بالكفاءة نفسها. وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه: من يحدد اليوم احتياجات السوق الليبية؟ وهل تستند قرارات الاستيراد إلى بيانات صادرة عن المستشفيات والمراكز الصحية، أم إلى تقديرات تجارية مرتبطة بحجم الاعتمادات والعقود؟
وهنا بدأت تظهر مفارقة لافتة؛ فبينما تعاني المؤسسات الصحية من نقص أصناف أساسية، تتوافر في المقابل مستحضرات لا تشهد طلبًا حقيقيًّا، وهو ما يعكس خللًا في الربط بين الاحتياج الفعلي وقرارات الاستيراد.
الاعتمادات.. عندما تتغير الأولويات
لا خلاف على أن استيراد الدواء يحتاج إلى اعتمادات مالية كبيرة، لكن هذه الاعتمادات يفترض أن تكون وسيلة لتوفير العلاج، لا غاية بحد ذاتها.
وترى آراء متخصصة أن جزءًا من الأزمة يرتبط بتغير الأولويات، إذ أصبحت قيمة الاعتماد في بعض الحالات عنصرًا أكثر تأثيرًا من طبيعة المستحضرات المطلوب توفيرها. فكلما ارتفعت قيمة العقود، ازدادت الأرباح المحتملة للموردين، وهو ما قد يفتح المجال أمام استيراد كميات أو أصناف لا تعكس دائمًا الاحتياج الحقيقي للمؤسسات الصحية.
ومن هنا، لم تعد القضية تتعلق فقط بتوفير الأموال، بل بكيفية توجيهها، ومن يقرر أوجه إنفاقها، وما إذا كانت ترتبط بخطة صحية واضحة أم باعتبارات السوق والربح.
بين التهريب والسوق الموازية
من أخطر النتائج التي أفرزها ضعف الرقابة اتساع حجم السوق الموازية للدواء. فهذه السوق لا تخضع، في كثير من الحالات، لإجراءات الاعتماد والفحص نفسها التي تمر بها المستحضرات المستوردة عبر القنوات الرسمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مصادرها، وظروف تصنيعها، وآليات نقلها وتخزينها.
وأصبح من المألوف أن يسمع المواطن، وهو يبحث عن دوائه، سؤالًا لم يكن مطروحًا في السابق: “هل تريد الدواء الأصلي أم المقلد؟“، وهي عبارة تختصر حجم التحول الذي أصاب سوق الدواء، إذ لم يعد القلق مقتصرًا على توفر المستحضر، بل امتد إلى الثقة في مصدره وجودته.
ولا تقتصر خطورة الأدوية المهربة أو مجهولة المصدر على احتمال انخفاض فاعليتها، بل تمتد إلى غياب الضمانات التي تكفل سلامة مكوناتها، ومدى مطابقتها للمواصفات الدوائية، الأمر الذي يجعلها تمثل تحديًا صحيًّا قبل أن تكون قضية تجارية أو اقتصادية.
كما أن تعدد مصادر الاستيراد، وظهور مستحضرات قادمة من مصانع غير معروفة أو غير معتمدة، يضيف عبئًا جديدًا على الجهات الرقابية، ويجعل من الصعب التأكد من جودة جميع المستحضرات المتداولة ما لم تستعد منظومة الرقابة دورها الكامل في متابعة سلسلة الإمداد الدوائي منذ المصنع وحتى وصول المنتج إلى المريض.
الرقابة.. الحلقة التي تحمي الدواء
إذا كانت عملية شراء الدواء تمثل بداية الرحلة، فإن الرقابة تمثل الضمانة الأساسية لنجاحها. فلا يكفي أن تتعاقد الدولة مع شركة موردة، أو أن تصل شحنة الأدوية إلى الميناء، ما لم تكن جميع مراحل الإنتاج والنقل والتخزين خاضعة لنظام رقابي صارم يضمن سلامة المستحضر الدوائي وفاعليته.
ولهذا، لم تكن الرقابة في المنظومات الصحية الحديثة إجراءً إداريًّا لاحقًا للاستيراد، وإنما جزءًا أصيلًا من عملية التوريد نفسها. وفي التجربة الليبية، أُنشئت -منذ ثمانينيات القرن الماضي- منظومة متخصصة للرقابة على الأدوية، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل الرقابة على الأغذية أيضًا، وكان الهدف منها حماية الأمن الدوائي، والتأكد من أن كل مستحضر يدخل إلى السوق الليبية يطابق المواصفات العلمية المعتمدة.
ولم تكن الرقابة تبدأ داخل المخازن المحلية، بل من المصنع المنتج نفسه. فعند الاتفاق على توريد صنف دوائي معين، كانت الشركات مطالبة بتقديم شهادات منشأ معتمدة، كما كانت تخضع لعمليات تقييم ومراجعة عبر جهات تفتيش ومختبرات دولية متخصصة، للتأكد من أن خطوط الإنتاج تطبق معايير التصنيع الدوائي الجيد، وأن المستحضر يحتوي على المادة الفعالة بالنسب المحددة علميًّا.
وبعد وصول الشحنات إلى ليبيا، لم تكن تدخل مباشرة إلى التداول، بل كانت تؤخذ منها عينات لإعادة تحليلها، والتأكد من مطابقتها للمواصفات التي تعاقدت عليها الدولة. ومع تطور الإمكانات الفنية، أُنشئت مختبرات محلية قادرة على إجراء جزء كبير من هذه الفحوص، بما وفر طبقة إضافية من الرقابة على جودة الدواء قبل وصوله إلى المستشفيات والصيدليات.
هذه المنظومة لم تكن تعني التشكيك في الشركات المنتجة، بقدر ما كانت تمثل شبكة أمان تحمي المريض، وتضمن أن كل عبوة دواء تصل إلى السوق الليبية تحمل القيمة العلاجية التي صُنعت من أجلها.
لكن، مع تراجع منظومة الرقابة خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الحلقة أقل فاعلية، في وقت ازدادت فيه أعداد الموردين، وتعددت مصادر الاستيراد، واتسعت السوق الموازية، الأمر الذي جعل مهمة ضمان الجودة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
التخزين.. الحلقة المنسية في رحلة الدواء
ورغم أهمية الاستيراد والرقابة، فإن جودة الدواء لا تتوقف عند المصنع أو المختبر، بل تستمر حتى لحظة استخدامه. فالدواء مادة حساسة تتأثر بدرجات الحرارة والرطوبة وظروف النقل، ولذلك تفرض المعايير الدولية شروطًا دقيقة لتخزين كل صنف دوائي.
فهناك مستحضرات، مثل اللقاحات وبعض أدوية الأورام والمنتجات الحيوية، تحتاج إلى سلسلة تبريد متواصلة، وأي انقطاع فيها قد يؤدي إلى فقدان الدواء جزءًا كبيرًا من فاعليته. وهناك أدوية أخرى يجب حفظها في درجات حرارة مستقرة، بعيدًا عن الحرارة المرتفعة أو الرطوبة أو أشعة الشمس المباشرة.
ولهذا السبب، كانت منظومة التخزين في ليبيا تعتمد على مخازن مجهزة وفق مواصفات فنية محددة، مع وسائل نقل مبردة تضمن انتقال الدواء من الميناء أو المطار إلى المخازن المركزية، ثم إلى المستشفيات والمراكز الصحية، دون الإخلال بشروط الحفظ.
غير أن تراجع البنية التحتية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وضعف تجهيزات بعض المخازن، تمثل اليوم تحديات حقيقية أمام الحفاظ على جودة المستحضرات الدوائية. فحتى الدواء الذي يغادر المصنع مطابقًا للمواصفات، قد يفقد جزءًا من فاعليته إذا تعرض لظروف تخزين غير مناسبة، أو انقطعت سلسلة التبريد أثناء نقله أو حفظه.
وهذا يوضح أن الأمن الدوائي لا يبدأ عند توقيع عقد الاستيراد، ولا ينتهي عند دخول الشحنة إلى البلاد، بل هو منظومة متكاملة، إذا اختلت إحدى حلقاتها، انعكس ذلك على المريض في نهاية المطاف.
التصنيع المحلي.. خيار استراتيجي لا بديل عنه
تكشف الأزمات المتكررة في سلاسل الإمداد العالمية أن الاعتماد الكامل على الاستيراد يجعل أي دولة أكثر عرضة للتقلبات الدولية، سواء كانت أزمات سياسية أو اقتصادية أو صحية. ولهذا تتجه كثير من الدول إلى بناء صناعة دوائية وطنية، لا بهدف الاستغناء الكامل عن الاستيراد، وإنما لتأمين جزء من احتياجاتها الأساسية وتعزيز أمنها الدوائي.
ولم تكن ليبيا بعيدة عن هذا التوجه، فقد شهدت محاولات لإنشاء صناعة دوائية محلية، من خلال مصانع متخصصة كانت تمثل نواة يمكن تطويرها لتغطية جانب من احتياجات السوق. غير أن هذه التجارب لم تستمر بالشكل الذي يسمح ببناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة والتوسع، لتبقى البلاد معتمدة بدرجة كبيرة على الاستيراد الخارجي.
ولا يتعلق التصنيع المحلي بالجانب الاقتصادي فقط، بل يمثل أحد عناصر السيادة الصحية، لأنه يمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة الأزمات، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، والمحافظة على استقرار الإمدادات الدوائية، خاصة بالنسبة للأدوية الأساسية والمستحضرات ذات الاستهلاك المرتفع.
استعادة الأمن الدوائي.. من أين يبدأ الإصلاح؟
تكشف رحلة الدواء في ليبيا أن المشكلة لا تكمن في نقص الأموال وحده، ولا في غياب الموردين، وإنما في تراجع المنظومة التي كانت تنظم العلاقة بين التخطيط والرقابة والاستيراد والتوزيع. ولذلك فإن استعادة الثقة في قطاع الدواء لا تبدأ بزيادة قيمة الاعتمادات، بل بإعادة بناء المؤسسات التي تدير هذا الملف وفق معايير مهنية واضحة.
ويبدأ الإصلاح بإعادة الاعتبار للتخطيط العلمي، بحيث تُحدد احتياجات البلاد من خلال بيانات دقيقة تصدر عن المستشفيات والمراكز الصحية، ثم تخضع للمراجعة من لجان فنية مستقلة، قبل أن تتحول إلى خطط شراء وطنية تعكس الاحتياج الحقيقي، لا الاعتبارات التجارية.
كما يتطلب الأمر تعزيز منظومة الرقابة الدوائية، وإعادة تفعيل إجراءات اعتماد الشركات المنتجة، وفحص الشحنات قبل وبعد وصولها، وتطوير المختبرات الوطنية، وتشديد الرقابة على السوق للحد من الأدوية المهربة أو مجهولة المصدر.
ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة تنظيم سوق الاستيراد، بحيث تكون الأولوية للكفاءة والخبرة والالتزام بالمعايير المهنية، مع إخضاع جميع مراحل التوريد والتخزين والنقل لمعايير موحدة، وربط تسعير الدواء بتكلفته الحقيقية وآليات رقابية تضمن حماية المستهلك.
وفي المدى البعيد، يبقى الاستثمار في التصنيع المحلي أحد أهم الخيارات الاستراتيجية لتعزيز الأمن الدوائي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وبناء قطاع صحي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
لقد أثبتت التجربة أن الأمن الدوائي لا يتحقق بكثرة الشحنات ولا بحجم الإنفاق، بل بوجود منظومة متكاملة تعمل وفق قواعد واضحة، وتضع المريض في مركز الاهتمام. فعندما يصبح التخطيط هو أساس الاستيراد، والرقابة هي أساس الجودة، والشفافية هي أساس إدارة الموارد، يمكن للدواء أن يعود إلى مكانه الطبيعي: حقًّا يكفله النظام الصحي، لا سلعة تتحكم فيها تقلبات السوق ومصالح التجارة.
.
