الحروب التي استعصت على الكبار

بقلم/ ناصر سعيد
اعتادت القوى الكبرى، عبر التاريخ، أن تنظر إلى تفوقها العسكري باعتباره الضامن الأول لتحقيق أهدافها السياسية. فكلما امتلكت دولة جيشًا أقوى، وتسليحًا أكثر تطورًا، وقدرة أكبر على توجيه الضربات، ازداد اعتقادها بأن الحسم لن يستغرق سوى وقت قصير، غير أن حروب القرن الحادي والعشرين أثبتت أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالبساطة نفسها، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لتحقيق النصر السياسي.
الحرب الروسية في أوكرانيا تمثل أبرز الأمثلة على ذلك، فقد دخلت موسكو المعركة وهي تمتلك تفوقًا واضحًا في العدة والعتاد، وتوقعت أن تفرض واقعًا جديدًا خلال فترة وجيزة، إلا أن الحرب تحولت إلى مواجهة طويلة استنزفت الموارد والقدرات، وفتحت جبهة اقتصادية ودبلوماسية وإعلامية لا تقل تأثيرًا عن ساحات القتال، ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال المطروح هو من يحقق النصر العسكري، بل من يستطيع تحمل كلفة الحرب لفترة أطول، ومن يملك القدرة على المحافظة على تماسك جبهته الداخلية وتحالفاته الخارجية.
وفي الضفة الأخرى، وجدت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أن التعامل مع إيران لا يخضع لمنطق القوة المجردة، فرغم التفوق العسكري الأمريكي الهائل، ورغم سياسة الضغوط القصوى والضربات العسكرية، لم يتحقق الحسم السياسي الذي سعت إليه واشنطن، بل أثبتت التطورات أن الدول التي تمتلك أدوات للردع، وشبكات من الحلفاء، وقدرة على امتصاص الضربات، تستطيع أن تحول المواجهة إلى صراع طويل يفرض على خصومها إعادة حساباتهم باستمرار.
قد لا يعني ذلك أن روسيا أو الولايات المتحدة تعرضتا لهزيمة عسكرية، كما لا يعني أن خصومهما حققوا انتصارًا حاسمًا، وإنما يكشف حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الحروب الحديثة أصبحت أعقد من أن تُحسم بالتفوق العسكري وحده، فالعقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والإعلام، والدعم الدولي، والرأي العام، والقدرة على الصمود، أصبحت جميعها أسلحة موازية للصواريخ والطائرات.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات الدولية، فلم تعد الجيوش تواجه جيوشًا فقط، بل تواجه اقتصادات، وتحالفات، ومجتمعات، وإرادات سياسية، ولهذا أصبحت الحروب تميل إلى الاستنزاف أكثر من الحسم، وإلى إدارة الصراع بدل إنهائه، وفي كثير من الأحيان، يجد القادة الذين بدأوا الحرب أنفسهم مضطرين إلى البحث عن تسويات سياسية لم تكن مطروحة عند اتخاذ قرار المواجهة.
إن أخطر ما في الحروب الممتدة أنها لا تستنزف الجيوش وحدها، بل تستنزف الاقتصاد، وتبدد الموارد، وتعيد تشكيل أولويات الدول، وقد تضعف مكانتها الدولية حتى وإن احتفظت بتفوقها العسكري، ولهذا أصبحت الحكمة السياسية تقضي بالنظر إلى القوة المسلحة باعتبارها وسيلة من وسائل السياسة، لا بديلًا عنها، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المعارك التي تُخاض، بل بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها بأقل كلفة ممكنة.
ولعل في هذه التجارب رسالة واضحة للدول التي تعاني أزمات داخلية، وفي مقدمتها ليبيا، فقد أثبتت السنوات الماضية أن منطق الغلبة لا يصنع دولة، وأن تعدد مراكز القوة لا ينتج إلا مزيدًا من الانقسام والاستنزاف، فالدولة لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما بالمؤسسات الشرعية، ووحدة القرار الوطني، والتوافق على مشروع جامع يحفظ السيادة ويحقق الاستقرار، وهذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه الحروب التي استعصت حتى على الكبار.
