مقالات الرأي

الديمقراطية التمثيلية.. هل أخلفت وعد السيادة الشعبية؟ الجزء الثالث



بقلم/ محمد المختار

الدولة في خدمة المجتمع لا فوقه: ليست الدولة غاية قائمة بذاتها، وإنما أداة أنشأها المجتمع لتنظيم شؤونه وتجسيد إرادته. فالمؤسسات العامة وُجدت لخدمة المواطنين، لا لمصادرة دورهم؛ والبرلمان إطارٌ لصياغة الإرادة الجماعية، لا مستودعٌ تُنقل إليه السيادة، والحكومة جهازٌ تنفيذي يخضع للمساءلة، لا سلطة تحتكر القرار بين دورة انتخابية وأخرى. وتُقاس قوة الدولة بقدرتها على تمكين المجتمع من إدارة شؤونه بحرية ومسؤولية، عبر توسيع دوائر المشاركة، وتعزيز الرقابة، وإطلاق المبادرة الشعبية.

فالشعوب ليست مجرد كتلة انتخابية تُستدعى لمنح الشرعية، بل هي صاحبة الحق الأصيل في تقرير مصيرها. ومن ثم، تبقى الديمقراطية التي تختزل دور المواطن في اختيار الحكام ديمقراطية ناقصة، بينما تقترب الديمقراطية الحقيقية من جوهرها حين تجعل السيادة ممارسة يومية، ويغدو المواطن شريكًا دائمًا في إدارة الشأن العام، لا متلقيًا لقرارات تُتخذ باسمه.

ولا تعود أزمة الثقة في الديمقراطيات المعاصرة إلى ضعف الأداء الحكومي وحده، بل إلى اتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ومن هنا تتزايد الدعوات إلى ترسيخ أدوات المشاركة المباشرة، كالمجالس المحلية، والاستشارات العامة، والمبادرات التشريعية، والميزانيات التشاركية، بما يعيد للمواطن دوره الفاعل، ويحقق التوازن بين كفاءة المؤسسات وسيادة الإرادة الشعبية.

وفي الديمقراطية الناضجة، تستمد الدولة مشروعيتها من قدرتها على التعبير عن الإرادة الجماعية، لا من احتكار القرار أو الحقيقة. فكلما تعززت الشفافية والمساءلة، واتسعت قنوات المشاركة، ازداد التزام الدولة بمصالح المجتمع. ولذلك لا تُقاس قوة الديمقراطية بانتظام الانتخابات فحسب، بل بحضور المواطن في المجال العام، وقدرته على الرقابة والتأثير بوصفه صاحب السيادة الفعلية.

واليوم تقف الديمقراطيات أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف ذاتها، بالانتقال من الديمقراطية الانتخابية إلى الديمقراطية التشاركية، دون إلغاء قيمة التمثيل، بل باستكماله وتطويره. فلم يعد السؤال: “من يحكم؟” بل: “كيف يبقى المجتمع حاضرًا في ممارسة السلطة وصناعة القرار؟”، وعندما يصبح الشعب فاعلًا دائمًا في رسم مستقبله، تتحول الديمقراطية من آلية انتخابية إلى ثقافة سياسية راسخة، قوامها المواطنة الفاعلة، والمسؤولية المشتركة، والسيادة الشعبية المستمرة.

زر الذهاب إلى الأعلى