مقالات الرأي

بنغازي والسبخة: حين ترسم الطبيعة الرطبة ملامح المدينة



بقلم/ هدى حامد الزوي

ارتبطت مدينة بنغازي -عبر تاريخها العريق- بمسطحاتها الرطبة وسبخاتها الشهيرة، مثل سبخة عين زيانة، وسبخة 23 يوليو، وسبخة السلماني. هذه الأوساط البيئية الفريدة ليست مجرد أراضٍ هامشية أو مساحات متروكة، بل هي إسفنجة طبيعية ورئة حيوية تؤدي دورًا محوريًّا في تنظيم المناخ المحلي وحماية الأحياء السكنية من مخاطر الفيضانات والسيول. إن الفهم الحديث للهندسة الحضارية يتطلب التخلي عن الفكرة التقليدية البائدة التي ترى في السبخة عائقًا يجب ردمه بالخرسانة، للوصول إلى رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط العمراني والتخطيط البيئي لترسيخ الهوية العمرانية الأصيلة لبنغازي.

مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار الشاملة في بنغازي، بات من الضروري إعادة ضبط عناصر المدينة وفق رؤية تنموية تتناغم فيها خريطة استعمال الأراضي مع طبيعة الأرض الرطبة. فالهدف الأساسي ليس إلغاء الطبيعة لصالح المباني المعمارية والطرقات الشريانية، بل تحويل هذه السبخات والبحيرات إلى محركات اقتصادية واجتماعية تعزز مفهوم السياحة البيئية، وتفتح أفقًا واعًا يتماشى مع التزام ليبيا بالمعاهدات البيئية التي وقعتها مع منظمات البيئة العالمية.

إن بنغازي لا تحارب المطر أو البحر، بل تتعايش مع مسطحاتها المائية؛ فالسبخة ليست أرضًا ضائعة، بل هي القلب المائي المفتوح الذي يمنح المدينة هويتها الفريدة.

يمثل التخطيط البيئي المحرك الرئيسي لضمان استدامة أي توسع حضري مستقبلي. وفي بنغازي، تتقاطع شبكة الشوارع الرئيسية مع النسيج المائي للسبخات، مما يستوجب صياغة خريطة استعمال الأراضي تتسم بالمرونة وحسن التوجيه. عندما تُبنى المباني المعمارية على مشارف الأراضي الرطبة دون دراسة هيدرولوجية دقيقة، تتعرض الشوارع لارتفاع نسبي في الملوحة وهبوط التربة، فضلًا عن انسداد المسارات الطبيعية للمياه أثناء العواصف الشديدة.

لتحقيق التحول المنشود من النظر للسبخة كمصدر للتلوث إلى مصدر للفرص، نتقدم بإطار تطبيقي عملي يعيد رسم ملامح التخطيط البيئي في بنغازي. يركز هذا الإطار على إنشاء محميات حضرية داخل نسيج المدينة، مع إحاطتها بمستويات مرنة من التنمية الخفيفة غير الضارة بالبيئة. إن إدخال المماشي الخشبية المرتفعة، وأبراج مراقبة الطيور، والمقاهي البيئية الصديقة للطبيعة يسهم في تشجيع السياحة البيئية ويمنح السكان تجربة فريدة للتواصل مع الطبيعة.

كما يتضمن الإطار مقترحات لتكييف المباني المعمارية القريبة من السبخات باستخدام مواد بناء مقاومة للملوحة، واستخدام أساليب التصميم الحيوي (Biophilic Design) التي تعكس ألوان وملمس الطبيعة الرطبة. إن ربط هذه الفضاءات بشبكة الشوارع ومسارات الدراجات يخلق حلقة اتصال سلسة تجعل السبخات متنفسًا حقيقيًّا لأحياء بنغازي.

تلتزم الدولة الليبية بمجموعة من المعاهدات البيئية التي وقعتها ليبيا مع منظمات البيئة العالمية، وفي مقدمتها “اتفاقية رامسار” لحماية المناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية، و”اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)”، بالإضافة إلى “اتفاقية برشلونة” لحماية البحر المتوسط من التلوث. إن هذه الالتزامات الدولية ليست مجرد توقيعات شرفية، بل هي أطر قانونية وفنية توجب على السلطات المحلية في بنغازي إدراج حماية الأراضي الرطبة ضمن استراتيجيات إعادة الإعمار والتنمية الحضرية.

إن إسقاط هذه المعاهدات الدولية على واقع بنغازي يتطلب حظر الردم العشوائي وتجريف السبخات، وتفعيل آليات تقييم الأثر البيئي (EIA) قبل منح التراخيص للمشاريع العمرانية. فالسبخات والبحيرات الشمالية تشكل محطات توقف استراتيجية للطيور المهاجرة عبر القارة الأفريقية، وتوفر بيئة خصبة للكائنات المائية الفريدة، ما يجعل الحفاظ عليها دعامة أساسية للتوازن البيئي الوطني والدولي.

لضمان تحول التخطيط البيئي من رؤية نظرية إلى نتائج ملموسة، يجب اعتماد مؤشرات أداء قياسية تقيس تقدم المشروع. تشمل هذه المؤشرات: “مؤشر جودة المياه والتنوع الحيوي” (قياس أعداد الطيور ونقاء المياه)، و”نسبة المساحات الخضراء والمائية المتاحة لكل مواطن”، و”حجم العائد الاقتصادي من السياحة البيئية”، إضافة إلى “معدل انخفاض مخاطر تجمع مياه الأمطار في الأحياء المجاورة”.

على صعيد السياسات العامة، نوصي بلدية بنغازي وهيئة التخطيط العمراني بضرورة استصدار “دليل التخطيط البيئي للمناطق الرطبة” كشرط تنظيمي حاسم لمنح تراخيص البناء. كما نوصي بإطلاق صندوق استثماري محلي للشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير واجهات السبخات وإعادة تأهيلها، بما يعزز الهوية العمرانية ويدعم مشاريع إعادة الإعمار المستدامة لعام 2026.

في الختام، إن قصة بنغازي مع السبخة ليست حكاية صراع بين الإسمنت والماء، بل هي فرصة تاريخية لصياغة نموذج حضري فريد يتناغم فيه التخطيط العمراني مع البيئة الطبيعية. إن الالتزام بالمعاهدات البيئية التي وقعتها ليبيا مع منظمات البيئة العالمية يوفر الغطاء الدولي والدعم الفني المطلوب لتحويل هذه الأراضي الرطبة إلى درة زرقاء تزيّن جيد بنغازي.

زر الذهاب إلى الأعلى