مقالات الرأي

الإدانة والبراءة في ميزان الغرب



بقلم/ ناجي إبراهيم

 ينتشر على نطاق واسع وفي مختلف وسائل التواصل حديثها وقديمها أحاديث وحوارات تستخدم فيها جميع الأدوات والوسائل والأساليب الصحفية والإعلامية، حملة وهجمة شرسة لا يمكن فصلها عن السعي المحموم من قبل الغرب الاستعماري لإعادة رسم خرائط العالم بما يلبي احتياجاته ومصالحه وسياساته، وهي واحدة من أدوات الجيل الخامس للحروب، مسح الذاكرة وتزوير المفاهيم والمصطلحات جميعها تستهدف تمهيد المسرح لإعادة تموقع جديد للاستعمار تلبسه أثوابًا غير التي عرفتها العين وحفظتها الذاكرة عن ماضٍ قاتم وأسود ودموي قالوا ولى مع قيام نظام عالمي ينبذ العنف والعدوان ويدين التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب التي قالوا إن لها الحق -كبيرها وصغيرها- في تقرير مصيرها، هذا تم الترويج له بعد حربين عالميتين تسببت في قتل الملايين ودمار لم يستثن أحدًا، ودفعت ثمنه شعوب العالم وبشكل غير متساوٍ، حيث تحملت شعوبنا في جنوب العالم وزر حرب لم تكن سببًا فيها.

ما تسوق له وسائل التواصل والاتصال هو في الواقع إعادة تدوير لحملة جديدة من الاستعمار أشد عنفًا وأكتر قساوة، والأخطر من هذا التسويق هو محو الذاكرة ومسحها وحشوها بمفاهيم تستهدف القيم، وتجهيز الأجيال القادمة للتطبيع مع الحقبة الجديدة للاستعمار.

الحملة التي تروج لها أدوات الدعاية الغربية والناطقة بكل اللغات تستخدم مقاربات متنوعة، لكنها ليست مختلفة من خلال محاكمة علنية للتاريخ وتحميل الشعوب التي قاومت الحقب الماضية للاستعمار كل المآسي وما لحق بها من دمار وتخلف، يحاولون تحميل حركة التحرير في العالم كل جرائم القتل التي مارستها الدول الاستعمارية ضد الشعوب المستعمرة وبشكل سافر يحملون حركة التحرير الجزائرية مليونًا ونصف المليون جزائري حصدتهم الآلة العسكرية الفرنسية، وتحميل عمر المختار ورفاقه من المجاهدين عمليات الإبادة والمعتقلات الجماعية في البريقة وسلوق التي نتج عنها قتل نصف سكان ليبيا، وبدون حياء أو خجل قالوا لو لم يقد عمر المختار حركة الجهاد التي انتهت بإعدامه عام 1932 ما كنا فقدنا كل هذه الأرواح.

يحملون الضحية وزر ما ارتكبه الجناة، وكان عليه أن يرفع الراية البيضاء ويسمح للمستعمر الإيطالي أن يقود عملية البناء والأعمار.

أقسم لكم إن ذلك يتم الترويج له على نطاق واسع لمحاكمة الرموز التاريخية وتجريم أي مقاومة، وكأن المقاومة ليست ردًّا طبيعيًّا على عملية القرصنة التي تعرضت لها شعوبنا في مواجهة قوة غاشمة وظالمة ومعتدية حاولت إلحاقنا بالقوة بمشاريعهم وسلب ثرواتنا.

حملات التشويه الممنهجة والمقصودة التي تطال قادة المقاومة ومنهم القائد معمر القذافي، وجمال عبدالناصر وحتى نيكروما ومانديلا تأتي في إطار مشروع ثقافي ودعائي وبتمويل غربي وعربي، وتأتي هذه الهجمة الدعائية الشعواء لتضرب جميع الرموز التي قاومت وواجهت السياسات والمشروعات الغربية التي حاولت أن تحمي مصالحها التي حققتها الحقبة الاستعمارية ومحاولات العودة بمشاريع وخرائط جديدة لتهيمن على مقدرات الشعوب والبلدان وخاصة البشرية منها التي حققتها خلال مرحلة تراجع الاستعمار القديم وتخليه عن سياساته القديمة التي قامت على الغزو والاجتياحات واتباع سياسات ناعمة ضمنت وتضمن له الحد الأدنى من المصالح،

إلا أن أطماع التوسع والهيمنة بذرة متأصلة في القوى الإمبريالية والمدفوعة بنهم رأسمالي متوحش لا يتورع عن دفع العالم بأسره في أتون حروب ونزاعات لا تنتهي من أجل تكديس الثروات والسيطرة على ثروات الشعوب في إطار إيمانهم بأن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت حتى لو نتج عن هذه الرغبة إبادة شعوب وتدمير حضارات، ولا تتورع في التحالف مع أي قوى أو أطراف حتى لو كانت متطرفة إذا كانت ستحقق لها أهدافها، واستخدمت تنظيم القاعدة لهزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ثم تخلت عنه وحاربته للعودة إلى أفغانستان، وأنشأت تنظيم داعش من رحم وعباءة القاعدة، وحاربت به دولًا عارضت سياساتها، ومولت الحرب ودعمتها والتي تحالفت فيها داعش والنصرة والقاعدة لإسقاط النظام في سوريا، وبين عشية وضحاها يتحول قائد تنظيم إرهابي إلى رئيس شرعي تفرش له السجادة الحمراء في جميع العواصم وفي البيت الأبيض.

الإرهاب يقينًا عندهم كل شيء يتعارض مع سياساتهم ويواجه مخططاتهم، ويمنح كارت البراءة كلما حقق أهدافهم، وهذا أيضًا ممنهج ومقصود لخلط المفاهيم واللعب بها وحتى تزويرها، وإعلامهم وقادتهم يبذلون كل جهد ممكن لطمس الوعي الإنساني من خلال إيجاد مفاهيم جديدة تجعل الاستعمار ممكنًا من جديد وثروات الشعوب ملكًا لهم مرة أخرى.

ولم يخجلوا في ذلك وبدون مواربة ترامب وقادة الغرب يعلنون ذلك صراحة، وتصريحًا على رؤوس الأشهاد، كل شيء صار مفضوحًا ومكشوفًا وسياسة دس الرؤوس في الرمال لن تنجي أحدًا، فالكل مستهدف، جماعاتٍ وأفرادًا، وحتى الذين يسرقون ثروات شعوبهم من الحكام والسياسيين وتجار الاعتمادات ويكنزونها في بنوك الغرب نبشرهم بأنهم سيفقدونها يومًا والغرب لا تعوزه الحيل والحجج والتي أقلها أنها غسيل أموال تجيز لهم قوانينهم وما سموه قوانين الشفافية مصادرتها وتكون ضاعت على أصحابها وعلى الشعوب التي نهبت ثرواتها بسبب فساد نخبها الحاكمة والاقتصادية.

زر الذهاب إلى الأعلى