مقالات الرأي

ليبيا.. حين يصبح الظلام سياسة


بقلم/ يوسف امحمد الشريف
لم تعد أزمة انقطاع التيار الكهربائي في ليبيا مجرد خلل فني أو عطل طارئ يمكن تبريره بارتفاع درجات الحرارة أو زيادة الأحمال، بل تحولت إلى أزمة وطنية تعكس حجم الإخفاق في إدارة أحد أهم القطاعات الحيوية في الدولة. فخلال أقل من شهرين شهدت البلاد أكثر من ثلاث حالات انقطاع شامل للتيار الكهربائي (Blackout)، وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب تكرار هذا المشهد، ومن يتحمل مسؤوليته، ولماذا لا تزال ليبيا، رغم إمكاناتها الاقتصادية والطبيعية، عاجزة عن توفير خدمة كهرباء مستقرة لمواطنيها.
إن تكرار الانقطاع الشامل لا يمثل مجرد مشكلة تقنية، بل يكشف عن تراكمات طويلة من ضعف التخطيط، وتأخر الصيانة، وغياب الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، فضلًا عن غياب المساءلة والشفافية في إدارة هذا القطاع. فالدول التي تحترم مواطنيها تعتبر الكهرباء حقًّا أساسيًّا لا يمكن المساس به، بينما أصبح المواطن الليبي يعيش حالة من القلق الدائم، مترقبًا موعد الانقطاع أكثر من موعد عودة التيار.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن واقع الإدارة العامة للدولة. فليبيا تمتلك ثروات نفطية وغازية ضخمة، وتستفيد من ارتفاع أسعار النفط العالمية عندما ترتفع، كما أن النفط الليبي يحظى بطلب في الأسواق الدولية لجودته العالية وانخفاض نسبة الكبريت فيه. هذه الموارد، إذا أُديرت بكفاءة وشفافية، يفترض أن تنعكس على تحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، بدلًا من استمرار الأزمات التي تستنزف حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.
كما أن ليبيا تمتلك واحدة من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، وهو ما يجعلها مؤهلة لتكون مركزًا إقليميًّا للطاقة الشمسية. وكان من الممكن، منذ سنوات، إطلاق مشاريع استراتيجية لإنشاء محطات طاقة شمسية في مختلف المناطق، إلى جانب الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة، ودراسة حلول مستقبلية مثل الهيدروجين الأخضر، وتحديث شبكة النقل والتوزيع، بما يقلل الاعتماد على المحطات التقليدية ويعزز أمن الطاقة.
إن الاستثمار في الطاقة المتجددة لم يعد ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية. فالكثير من الدول ذات الموارد المحدودة قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال، بينما لا تزال ليبيا، صاحبة المساحات الشاسعة والشمس الساطعة معظم أيام السنة، بعيدة عن الاستفادة الحقيقية من هذه الميزة الطبيعية.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو تقديم المبررات الموسمية، وإنما وضع خطة وطنية واضحة لإصلاح قطاع الكهرباء، تقوم على الشفافية، والمحاسبة، والاستثمار في البنية التحتية، وتنويع مصادر إنتاج الطاقة، مع إشراك الجامعات ومراكز البحوث والخبراء الوطنيين في رسم مستقبل هذا القطاع.
إن الظلام الذي يعيشه الليبيون ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة قرارات وسياسات يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة. فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى خدمات تحفظ كرامة الإنسان. ويبقى السؤال الذي ينتظر الليبيون إجابته: متى تصبح الكهرباء في ليبيا حقًّا مستقرًّا، لا أزمة تتكرر مع كل موسم؟

زر الذهاب إلى الأعلى