على هامش مؤتمر الأحزاب الليبية.. فرصة لا يجب أن تضيع

بقلم/ مريغان المنفي
ليبيا التي أنهكتها سنوات الانقسام والاضطراب تقف اليوم أمام لحظة فارقة. مؤتمر الأحزاب الأخير في مدينة سرت لم يكن مجرد اجتماع سياسي بروتوكولي، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة الحياة إلى جسد السياسة الليبية الذي أرهقته الصراعات. في قاعة واحدة اجتمعت الأحزاب الليبية لتعلن أن صوت السياسة المدنية ما زال قادرًا على أن يعلو فوق ضجيج السلاح، وأن ليبيا يمكن أن تستعيد طريقها نحو الدولة الحديثة إذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة.
إن الحركة الحزبية في ليبيا ليست وليدة اليوم، بل هي جزء من تاريخ طويل مليء بالتحديات. ففي العهد الملكي ظهرت محاولات أولية لتأسيس أحزاب، منها حزب المؤتمر الوطني، وحزب الاتحاد، لكنها لم تُعمر طويلًا بسبب القيود السياسية. وفي عهد الجماهيرية أغلق الباب نهائيًّا أمام أي نشاط حزبي، حيث ليس لها أي مكان أمام المؤتمرات الشعبية. ما جعل فكرة الحزب في الوعي الليبي أقرب إلى المحظور منها إلى الممكن. بيد أن ارتضاء الشعب للديمقراطية التقليدية، يعني بالضرورة بناء أدواتها التي لا تتحقق إلا بها، ومن أهمها بناء الأحزاب، وانتعاش الحياة الحزبية. وقد شهد عام 2012 تطورًا ملحوظًا في الدور الحزبي، لكن سرعان ما تراجع دورها أمام الانقسام السياسي وصوت السلاح. هذه الذاكرة المثقلة تجعل المؤتمر الحالي أكثر من مجرد حدث؛ إنه محاولة لتصحيح مسار طويل من الإقصاء وإعادة الاعتبار لفكرة الحزب كأداة مدنية للتعبير عن السياسة.
أهمية المؤتمر تكمن في أنه يعيد الاعتبار للأحزاب باعتبارها التعبير المدني عن السياسة والبديل الطبيعي المتاح الآن عن الفوضى والاقتتال. ليبيا لن تخرج من أزمتها إلا عبر مشروع وطني جامع يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. الأحزاب هنا لا تدَّعي أنها تملك العصا السحرية، لكنها تقول بوضوح إنه لا يمكن أن تُبنى دولة بلا مؤسسات حزبية، ولا يمكن أن تُصاغ حلول دائمة بلا مشاركة سياسية منظمة.
الطموحات التي طُرحت في المؤتمر جاءت بصوت جماعي، وهذا في حد ذاته خطوة كبيرة، والنتائج المعلنة حملت رسائل واضحة بأن الانتخابات هي الطريق لإنهاء المراحل الانتقالية، وأن سياسة الأمر الواقع مرفوضة. بدا الصوت الحزبي هذه المرة أكثر انسجامًا، وكأن الجميع أدرك أن الفرصة قد لا تتكرر.
لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الأحزاب على تحويل التوصيات إلى خطوات عملية. المطلوب الآن أن تتحول هذه اللحظة إلى فعل سياسي منظم، أن تُبنى تحالفات واسعة تكسر عزلة كل حزب، أن يُفتح المجال أمام المجتمع المدني والإعلام لإعادة الثقة بين المواطن والسياسة، وأن تُطلق برامج توعية سياسية تُشعر المواطن أن صوته ليس مجرد رقم، بل أداة للتغيير.
هذا المؤتمر قد يكون بداية جديدة، لكنه أيضًا قد يتحول إلى محطة منسية إذا لم تُستثمر نتائجه. فليبيا لا تحتاج إلى بيانات ختامية بقدر ما تحتاج إلى خطوات عملية تعيد للدولة هيبتها وللمواطن ثقته. الأحزاب اليوم التي ظهرت تحت وطأة الحاجة للمشاركة المدنية في وضع السياسات، وبناها الواقع الملح للمجتمع أمام امتحان تاريخي، إما أن تكون جزءًا من الحل أو أن تترك الساحة فارغة لقوى الأمر الواقع.
إن هذا ليس مجرد راي، بل دعوة صريحة: لا تتركوا هذه الفرصة تضيع. فليبيا التي دفعت أثمانًا باهظة في سبيل الحرية والاستقرار تستحق أن ترى أحزابها تتحول من كيانات ورقية إلى قوى فاعلة، من بيانات إلى برامج، ومن شعارات إلى أفعال. هذه هي اللحظة التي يجب أن تُكتب في التاريخ لا كذكرى عابرة، بل كبداية لمسار جديد يعيد للسياسة معناها وللوطن توازنه.
