اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 17

بقلم / مهدي امبيرش
هذه المداخلة تتمة لكل سلسة هذه المداخلات منذ بداية تناولنا لها على هذه الصحيفة، وقد تركزت على الجملة حول مشكلة الإنسان الذي مرَّ خلقه بأطوار سبق أن ذكرناها وأن كل طور تالٍ يتفوق على الذي قبله، وفي ذهننا التعبير على أن التفوق هو تفوق ظرفي خلاف مفهوم (على) حرف الجر الذي يفيد الاستعلاء ويؤكد الفراغ، وهو ما لا نجده في الظرف (فوق)، إذ لا يتم التفوق إلا بإبقاء الذي قبله.
من هذا المفهوم تناولنا أن بداية الخلق كانت من مركب فيزيائي هو التراب، والذي مرّ بمراحل سبق أن ذكرناها وهذه من المفترض أن تتم دراستها من خلال المختصين في الفيزياء والتفاعلات الكيميائية، ثُمّ قلنا إن طورًا آخر وهو بعث الحياة في هذه المادة الفيزيائية بمادةٍ أخرى هي الماء، ومن هذا كانت المخلوقات الحية التي يعتبر الإنسان إحداها، وهو بهذا تبقى فيه مكونات الفيزياء وقانون الحياة، هنا يأتي الطور الثالث، أي الطور الذي يتجاوز فيه هذا المخلوق الوضع البشري إلى الإنسان، بعد أن نفخ الله فيه من روحه، والذي قلنا إن مظاهر هذا الطور كانت في قدرة الإنسان على ربط العلاقة بين الموجودات إضافة إلى الذي ذكرناه ونحن نتناول فلسفة اللسان وتمظهرها من خلال اللغة المتلفظة إلى الربط بين الاسم والمسمى الذي أشرنا فيه إلى أن هذا الربط لا يزال موضوعًا سواءً في الدراسات النفسية ومنهج التفكير وفي اختيار الوسائل أو وسائط التعبير أو العبور، وقد أشرنا إلى محاورة أفلاطون (كراتيلوس) التي تناول فيها بُعدَين:
أولًا: الاسم المقدس وهو الذي تضعه حسب معتقده الآلهة وهي الفكرة التي أخذها عن هيميروس في ملحمة الإلياذة، وهو الذي قال بذلك.
ثانيًا: أن هناك أسماء وضعها الناس والتي نقرؤها اليوم في الخلاف حول أصل اللغة، هل هي توقيفية أم اتفاقية؟
هنا تكون الأسماء التي علمها الله آدم هي أسماء سمى الله بها الموجودات التي تمت الإشارة إليها في قوله تعالى: “أنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” سورة البقرة الآية 31 ، وقد ذكرنا أن الإشارة لا تدل إلا على موجود يشغل حيزًا أو ظرفًا، وهذه مهمة جدًّا في الدراسات الإنسانية، حيث تعطي أبعادًا لأسماء الإشارة والتي للأسف لم ينتبه إليها المختصون في العربية الذين اكتفوا بالإعراب الوصفي أو الظاهري، وهو قصور وتقصير في فهم اللسان العربي ومنهج التفكير العربي، واقتصروا على الوصف الظاهري والتي نجدها اليوم واحدة من قضايا التفكير الفلسفي (الفينومينولوجي) والتي نقرأ فيها الخلاف الحاد بين إدموند هوسرل وتلميذه مارتن هايدغر، والذي اهتمّ بسؤال الوجود واللغة التي أعطاها بعدًا موجوديًّا، حيث قال عبارته المعروفة (اللغة بيت الوجود)، وإن كنّا نخالفه بمقتضى منهج التفكير العربي واللسان، حيث نرى أن الذهن هو بيت الوجود أو التفكير في أسماء المعاني، وأن وسائط التعبير المتنوعة ليست سوى الوسيط الذي يكشف عن العمليات التي تتم في الذهن.
هنا كانت المشكلة التي واجهت آدم وزوجه هي مشكلة معرفية، وهي كذلك لا تزال قائمة إلى اليوم، حيث إنه توهم وهو المحدود أن يحتوي المطلق، وإنه المستخلف في الأرض من خلال بنيه يمكن أن يكون هو المطلق، ومن ثَم يصل إلى العدمية الحلولية الصوفية فينهي الوجود ومن ثَم نسي أنه جُعِل في الأرض خليفة، وقد يمكن أن نقول إن هذا النمط الحلولي الصوفي لا يزال قائمًا حتى اليوم وهو نتاج المشكلة المعرفية (الإبستيمولوجية) التي أوصلت إلى ثنائية الظاهر والباطن في اللاهوت القديم التي أظهرت كذلك مشكلة التطهير وما يسمى الخطيئة الأصلية، وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي نقرأ ذلك واضحًا في أطروحة أفلاطون الإصلاحية أن هناك أناسًا خلقوا من معدن الذهب، وهؤلاء هم الحكام الحكماء، وأن هناك طبقة أدنى من معدن خسيس، ولابد أن يتم الفصل بينهما بوسيط سبق أن تناولناه الذي يرجع في الخرافة الإغريقيّة الذي نظر إلى الكون على أنه سماء مقدسة وساكنة وطاهرة، يقابلها الأرض المتغيرة والمادية، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية هناك ثنائية السادة والعبيد، وعلى مستوى الدراسات اللسانية الاسم واللغة، وفي السياسة الحكام والمحكومون وعلى مستوى النوع الذكور والإناث.
هنا نقرأ ما أشرنا إليه في الدراسات الماضية موضوع (الخيمياء) وهو مصطلح في اللغة المصرية القديمة يعني الأرض السوداء، حيث تقول المصادر إن الخيمياء بدأت في مصر كمحاولة لتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب خلاف أطروحة أفلاطون في قوله الناس معادن، وأن الفروق هي فروق طبيعية، والذي قال في كتابه القوانين إن مقولة الناس معادن كذبة فينيقية استعملها، كان ازدهار الخيمياء في مصر زمن حكم الرومان ثم انتقلت بعدها إلى عالم المسلمين لنجد خيميائيين كبارًا من أمثال جابر بن حيان والرازي ثم انتقلت إلى أوروبا على يد البيرتوس ماغنوس في القرن الثالث عشر، كما نجدها في القرن الخامس عشر عند باراسيليوس، وفي القرن السابع عشر عند روبرت بويل، وهو فيلسوف وكيميائي إنجليزي، كما وجدناها عند عالم النفس غوستاف يونغ، الذي قال إنه مثلما يمكن أن تتحول المعادن الخسيسة إلى ذهب يمكن أن تتحول النفس من شريرة إلى صالحة مع التنبيه على أن الدراسات الخيميائية هي التي تطورت إلى ما يعرف بالكيمياء الحديثة.
في ختام هذه المداخلة يمكن القول إن مشكلة المدنس وعملية التطهير التي انتقلت إلى أوروبا في العصور الوسطى والتي كرست الثنائية ومحاولة التطهير هي التي بنيت عليها فكرة الترشيح والتمثيل النيابي، حيث إن الجماهير وبنفس الفكرة التي بنى عليها أفلاطون جمهوريته على أساس أن الجماهير دهماء وتمثل الظلام والجهل بقيت هذه الفكرة اليوم في صياغة جديدة تقوم على اللاهوت والخيمياء والتفاعل الكيميائي، حيث يتم ترشيح هذه النخبة من النواب لتصير بمثابة إمكانية تحويل المعدن الخسيس إلى ذهب أو هذه الجماهير الملوثة إلى صفوة مع ملاحظة العلاقة بين مصطلح الصفوة والتصفية والترشيح والتطهير.
