مقالات الرأي

الحلقة المفقودة في بناء الدولة الليبية


بقلم/ فرج عيواز
لا تخلو حياة الأمم والشعوب من هواجس الفناء وأسباب الخوف، ومن ثم تسعى الدول إلى بناء رؤى وسياسات، تكفل أمنها وتصون استقرارها.
والأمن قرين الخوف، فالإنسان بإدراكه ظهرت حاجته للأمن، بوصفه حالة شعورية أولًا، وكقيمة عملية تضمن له الاستقرار، وسبل النمو والتطور.
وتكشف تجارب التاريخ أن امتلاك القوة بمختلف أنواعها، لا يكفي وحده لضمان نجاح مشروع بناء الدولة واستمرارها، فهناك عنصر أكثر عمقًا وتأثيرًا، تتجسد في تماسك المجتمع ووحدته.
وما تعانيه ليبيا اليوم، من ضعف وهوان، إنما يعود لأسباب بعضها معلوم وبعضها لا يزال خفيًّا. ولعل هذا ما يفسر جانبًا من التدخلات الخارجية، إذ تبدو ليبيا في نظر كثير من القوى الإقليمية والدولية كنزًا استراتيجيًّا، غاب عنه من يحسن حمايته، ويصون أمنه واستقراره.
وكليبيين، علينا أن نميز بين الأمن الوطني، الذي يتمثل في حماية الدولة وسيادتها، والأمن القومي، الذي يرتبط بأمن ليبيا في محيطها العربي، ولكل منهما متطلبات تحفظ له خصوصيته، ويرتبطان بعلاقة تكامل وتعاون، شريطة أن تبقى المصالح الوطنية الليبية هي الأساس الذي تبنى عليه السياسات والقرارات.
ومن الثابت أن ليبيا، قبل سنة 2011م امتلكت مقومات قوة اقتصادية وسياسية لا يستهان بها، بفضل ما تملكه من احتياطات النفط والغاز، وما تملكه من استثمارات خارجية، واحتياطات النقد الأجنبي والذهب، كما امتلكت ولا سيما خلال عقد الثمانينات، قدرات عسكرية أسهمت في تعزيز حضورها الإقليمي ومنحت سياستها الخارجية تأثيرًا ملحوظًا في محيطها الإقليمي والدولي. غير أن الأحداث التي شهدتها منذ سنة 2011م وما تلاها من انهيار لمؤسسات الدولة، والانقسام السياسي وما صاحب ذلك من سياسات للحكومات المتعاقبة، بدءًا من المجلس الانتقالي وصولًا إلى حكومة الوحدة الوطنية. كشفت أن مظاهر القوة تلك لم تكن كافية لضمان تماسك الدولة وحمايتها من الانهيار، خلافًا لما شهدته بعض دول الجوار، مثل تونس ومصر، رغم أن ليبيا تملك من مقومات التعافي وتجاوز الصعاب، ما لا يتوفر لكثير من الدول، التي استطاعت أن تتجاوز محنها.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا؟ وقد تختلف صيغ هذا السؤال، ولكن الإجابة تظل واحدة لا تختلف، فرغم تعدد التفسيرات التي تُرجع الأزمة الليبية إلى التدخلات الخارجية، والانقسام السياسي فإن هذه العوامل مجتمعة لا تفسر وحدها سبب هشاشة الدولة ومعاناة المواطن، فهناك سبب أعمق وأكثر تأثيرًا.
فالعنصر الذي يمثل الحلقة المفقودة في التجربة الليبية، يتمثل في العقيدة الوطنية، باعتبارها الإطار القيمي الذي يوحد المواطنين حول وطنهم، ويقدم المصلحة العامة على المصلحة الفردية والفئوية. كما أن أهمية العقيدة الوطنية تتعزز بكونها تشكل الأساس الذي تقوم عليه العقيدة العسكرية.
فهناك قطاعات واسعة من المجتمع، على مختلف مستوياتها ومواقعها القيادية، فمنها من ساهمت بشكل مباشر في ضياع المصالح الوطنية، ومنها من وقفت موقف المتفرج وانشغلت بالمصالح الضيقة على حساب المصلحة الوطنية.
وقد تناول عدد من الفلاسفة والمفكرين مفهوم الوطنية من زوايا مختلفة بما يوضح الأساس الفكري الذي تقوم عليه العقيدة الوطنية. حيث يرى البعض “أن للوطن عقيدة يحملها أبناؤه ويؤمنون بأصولها، كإيمانهم بعقيدتهم الدينية، ولا يكون أحد صادقًا في انتسابه إلى وطنه إلا إذا كان مؤمنًا بتلك العقيدة، ومخلصًا في التشبث بأصولها، وإن لم يكن كذلك فهو الخائن الذي يُتقى مَكره ولا يُؤمن شره. ولو ظهر منه بذل وعطاء للوطن وحرص على سيادته وسلامته”.
ويقول هيغل إنها تتجلى في المشاعر والسياسة التي تربط الفرد بدولته، وأن استعداد الإنسان لتقديم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة يمثل أسمى صور الانتماء الوطني. كما أكد ميكافيلي أن بقاء الدولة الحرة يتطلب مواطنين مستعدين للتضحية من أجلها. أما ألسدير ماكنتاير فقد منح الانتماء إلى المجتمع والوطن مكانة أساسية في بناء المنظومة الأخلاقية، ويرفض مقارنتها بالأخلاق، واعتبرها حجر الأساس الذي تقوم عليه الأخيرة.
ويظل الدين من أهم الروافد التي تعزز العقيدة الوطنية، بما يغرسه من قيم الأمانة والصدق والعدل والمسؤولية والإخلاص، والتضحية والجهاد بالمال والنفس، في نفوس معتنقيه. غير أن الدين وحده، لا يكفي لبناء عقيدة وطنية راسخة يعول عليها، إذا جرى توظيفه من قبل جماعات وتنظيمات، ذات مرجعيات دينية، وانتماءات فكرية وتنظيمية. وهو ما ينعكس سلبا على تماسك الأمة واستقرارها، وذلك بسبب معتقدات هذه الجماعات، التي لا تؤمن بالدولة الوطنية، ولا يشعر أفرادها بالانتماء إلى الوطن أو بالولاء للدولة الوطنية، ويكون ولاؤهم لقادتهم وانتماؤهم إلى جماعتهم، بغض النظر عن جنسياتهم وأماكن تواجدهم.
والعقيدة الوطنية ليست ترفًا فكريًّا ولا أمرًا هامشيًّا في حياة الأمم، ولا مظهرًا من مظاهر الخوف أو الضعف؛ إنما هي السلاح الذي ما تسلحت به أمة إلا وامتلكت أسباب القوة والصمود.
ومن هنا فإن إعادة بناء ليبيا لا يقتصر على إصلاح الاقتصاد، وتوحيد المؤسسات، وتحسين الخدمات للمواطن، وإنما تستلزم قبل ذلك كله، ترسيخ العقيدة الوطنية في وجدان المواطن الليبي، لأنها تمثل الأساس الذي تقوم عليه الدولة، والضامن الحقيقي لاستقرارها واستمرارها. ولهذا أرى أن الحلقة المفقودة في مشروع بناء الدولة الليبية، ليست بناء الوطن، بل بناء المواطن على أسس عقيدة وطنية راسخة.

زر الذهاب إلى الأعلى