الديمقراطية التمثيلية: هل أخلفت وعد السيادة الشعبية؟ الجزء الثاني

بقلم: محمد المختار
الانتخابات بداية الديمقراطية لا نهايتها: لا يمكن إنكار أن الانتخابات شكَّلت أحد أهم المنجزات السياسية في التاريخ الحديث؛ فقد وفَّرت وسيلة سلمية لتداول السلطة، وحدَّت من الاستبداد، وأتاحت للمواطنين محاسبة الحكومات عبر صناديق الاقتراع. غير أن هذه الأهمية لا تعني أن الانتخابات تمثل الديمقراطية الحقيقية بكل أبعادها، أو أنها الغاية التي تنتهي عندها المشاركة السياسية، فالانتخابات ليست سوى بداية العملية الديمقراطية، بينما تظل الديمقراطية الحقيقية مشروعًا أوسع يقوم على المشاركة المستمرة في صناعة القرار العام.
لعلَّ السؤالَ الذي ينبغي أن يوجِّهَ التفكيرَ السياسيَّ اليوم، لم يَعُدْ: من يحكم؟ بل أصبح: كيف يظلُّ المجتمعُ حاضرًا في ممارسة السلطة، لا مجردَ مصدرٍ يمنحُها الشرعية ثم يغيب عنها؟
فالديمقراطيةُ تبلغُ ذروةَ نضجها حين لا يكون الشعبُ مرجعًا نظريًّا تُستمدُّ منه الشرعيةُ فقط، بل فاعلًا دائمًا في تشكيل الإرادة العامة، ومسؤولًا عن صناعة مستقبله، وشريكًا أصيلًا في تدبير الشأن العام. عندئذٍ فقط تتحوَّلُ الديمقراطيةُ من مجرد آليةٍ لاختيار الحكام إلى ثقافةٍ سياسيةٍ راسخة، قائمةٍ على المواطنة الفاعلة، والمسؤولية المشتركة، والسيادة الشعبية التي تمارس كُلَّ يومٍ، لا مرةً كلَّ بضع سنوات.
في معظم النظم السياسية، يقتصر دور المواطن على الاختيار بين بدائل أعدَّتها الأحزاب والنخب مسبقًا، دون أن يكون شريكًا فعليًّا في تحديد تلك البدائل أو صياغة جدول الأعمال السياسي. وبعد انتهاء الانتخابات، يُطلب منه الانتظار حتى الدورة التالية، بينما تُتخذ القرارات الكبرى بعيدًا عن المجال الشعبي. وهكذا يتحول المواطن إلى ناخب مؤقت، لا إلى فاعل دائم في الحياة العامة.
ومن هنا تبدو الديمقراطية التي تختزل دور الإنسان في الإدلاء بصوته ديمقراطية ناقصة، لأنها تحصر المشاركة في لحظة انتخابية عابرة، بينما تقوم الديمقراطية في معناها الأعمق على إشراك المواطنين في النقاش العام، وصناعة السياسات، والرقابة على السلطة، والمبادرة إلى اقتراح الحلول، بحيث تصبح المشاركة ممارسة مستمرة لا حدثًا موسميًّا.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا عند الحديث عن «إرادة الأغلبية»، التي تُقدَّم غالبًا باعتبارها التعبير الكامل عن إرادة الشعب. فالواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ قد يفوز حزب أو ائتلاف بأغلبية الأصوات الصحيحة، لكنه لا يمثل سوى نسبة محدودة من مجموع المواطنين بسبب انخفاض المشاركة أو تشتت الأصوات أو امتناع قطاع واسع عن التصويت. ومع ذلك، تتحول هذه الأغلبية الإجرائية إلى تفويض واسع يُمنح حق الحديث باسم المجتمع بأكمله.
ولا تكمن المشكلة في نتائج الانتخابات ذاتها، بل في تحويلها إلى تفويض مفتوح، وكأن المجتمع قد سلَّم إرادته كاملة لمن فاز. والحقيقة أن الإرادة الشعبية أكثر تنوعًا واتساعًا من أن تختزل في أغلبية مؤقتة أو رقم انتخابي. فالشرعية الديمقراطية لا تقوم فقط على عدِّ الأصوات، وإنما على استمرار مشاركة المواطنين في توجيه السياسات العامة، ومراقبة أداء السلطة، وتصحيح مسارها كلما اقتضت الحاجة.
وفي هذا السياق، لعبت الأحزاب السياسية دورًا مهمًّا في تنظيم العمل العام وتجميع الأفكار والبرامج، لكنها لم تُنشأ لتحتكر السياسة أو تحتكر التعبير عن المجتمع. غير أن كثيرًا من التجارب جعلت الانتماء الحزبي الطريق شبه الوحيد للمشاركة، حتى بدا وكأن المجتمع لا يستطيع ممارسة السياسة إلا عبر مؤسسات تتنافس على إدارة السلطة أكثر مما تتنافس على توسيع المشاركة الشعبية.
ولا تكمن الإشكالية في وجود الأحزاب، لأي نظام ديمقراطي تمثيلي، وإنما في الاعتقاد بأن الإرادة الشعبية لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا مرت عبر قنوات النخب، أو أن المواطنين عاجزون عن ممارسة السياسة خارج الأطر الحزبية. فالأحزاب تستمد شرعيتها من المجتمع، وليس المجتمع هو الذي يستمد شرعيته منها. وكلما أصبحت الجماهير تابعة للأحزاب بدل أن تكون الأحزاب خادمة للمجتمع، انقلبت العلاقة، وتحولت الديمقراطية إلى إدارة للنخب بدلًا من أن تكون أداة لتحقيق الإرادة الشعبية.
ومن هذا المنطلق، تصبح فكرة الوصاية على المجتمع، مهما اختلفت تسمياتها، مناقضة لجوهر الديمقراطية. فالقول إن المواطنين لا يستطيعون إدارة شؤونهم إلا عبر من ينوب عنهم يفترض ضمنًا نقصًا دائمًا في أهليتهم السياسية، ويمنح النخب سلطة مستمرة لاتخاذ القرارات نيابة عنهم. غير أن السيادة ليست شعارًا دستوريًّا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية. ومن يمتلك السيادة لا يفقدها بمجرد انتهاء الانتخابات، ولا يتخلى عن حقه في المشاركة والمساءلة والاعتراض والمبادرة. فالمؤسسات العامة ليست مالكة للإرادة الشعبية، وإنما مؤتمنة عليها، والنيابة لا يجوز أن تتحول إلى وصاية.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الديمقراطية المعاصرة لا يكمن في زيادة عدد الأحزاب، أو تحسين الحملات الانتخابية، أو تطوير وسائل التصويت، بل في إعادة المواطن إلى قلب العملية السياسية بوصفه شريكًا شرعيًّا دائمًا في إدارة الشأن العام. فالمطلوب ليس مواطنًا يُستدعى كل عدة أعوام للإدلاء بصوته ثم يُطلب منه الصمت، بل مواطنًا يشارك في صياغة السياسات، ويسهم في التشريع، ويمارس الرقابة، ويشارك في النقاش العام، ويتحمل مسؤوليته تجاه مستقبل مجتمعه.
