الصخيرات أنشأته.. والواقع تجاوزه

بقلم ناصر سعيد
لم يكن مرور انتخابات المجلس الأعلى للدولة دون اهتمام شعبي أو سياسي حدثًا عاديًّا، بل كان تعبيرًا عن حقيقة أعمق؛ وهي أن هذا الجسم فقد مكانته في المعادلة الليبية، بعدما فقدت المرحلة التي أوجدته مبررات استمرارها.
لفهم هذه الحقيقة، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة.
بعد أحداث فبراير 2011 تشكَّل المجلس الوطني الانتقالي بصورة استثنائية، ومن خلاله صدر الإعلان الدستوري الذي أصبح المرجعية القانونية للمرحلة الانتقالية، في ظل واقع فرضته الحرب والتدخل العسكري الأجنبي وصعود المجموعات المسلحة إلى واجهة المشهد السياسي، ومنذ ذلك الوقت، دخلت ليبيا في سلسلة متلاحقة من الترتيبات الانتقالية التي لم تنجح في بناء مؤسسات مستقرة، بل كرست الانقسام وأطالت عمره.
ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، ورغم ما أحاط بها من ملاحظات، أفرزت النتائج توازنًا سياسيًّا لم ينسجم مع رغبات القوى التي كانت تهيمن على المؤتمر الوطني العام، وانتقل مجلس النواب إلى طبرق، بينما بدأت القوات المسلحة في المنطقة الشرقية إعادة تنظيم صفوفها وخوض معركة واسعة ضد التنظيمات الإرهابية، وهو تحول غيَّر موازين القوى على الأرض.
في خضم هذا الواقع، جاء الاتفاق السياسي بالصخيرات باعتباره تسوية دولية أكثر منه توافقًا وطنيًّا، فلم يقتصر على إنشاء حكومة جديدة، بل استحدث جسمًا سياسيًّا لم يكن موجودًا في ما يسمونه بالإعلان الدستوري وهو المجلس الأعلى للدولة، ومنحه دورًا في العملية السياسية، لتصبح ليبيا أمام سلطتين تشريعيتين ومؤسسات متداخلة الصلاحيات، بدلًا من معالجة الأزمة وإنهائها.
لقد كان المجلس الأعلى للدولة ابنًا مباشرًا لاتفاق الصخيرات، ولم يستمد وجوده من انتخاب شعبي جديد، وإنما من إعادة توظيف أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق، ومنذ تأسيسه، ظل محل جدل قانوني وسياسي، بينما تحولت العلاقة بينه وبين مجلس النواب إلى ساحة دائمة للخلاف حول الصلاحيات والاستحقاقات، الأمر الذي أسهم في إطالة المرحلة الانتقالية وتعقيد مسارات الحل.
ثم جاءت جولات الحوار اللاحقة، وفي مقدمتها ملتقى الحوار السياسي، لتعيد إنتاج المنهج نفسه، فقد جرى توسيع دوائر التمثيل، وإضافة أجسام جديدة، ومنح لجان الحوار صلاحيات سياسية وتشريعية واسعة، في مشهد رأى فيه كثير من الليبيين إعادة تدوير للأزمة بدلًا من إنهائها، وهكذا أصبحت الشرعية تُستمد من الاتفاقات الدولية أكثر مما تستمد من الإرادة الشعبية، وتوالدت المؤسسات الانتقالية دون أن تقترب البلاد من بناء دولة مستقرة.
وهناك سؤال يطرح نفسه: أي شرعية بقيت لهذه الأجسام بعد كل هذه السنوات؟
الشرعية الدولية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الإرادة الوطنية، لأنها تنشأ من توافقات سياسية بين الدول، لا من تفويض مباشر من الشعب، أما الشرعية الدستورية فلا تكتمل بمجرد وجود نصوص ووثائق، بل بوجود مؤسسات تستمد سلطتها من المواطنين وتخضع لإرادته.
ولهذا، تبقى الشرعية الشعبية هي الأساس الحقيقي لأي نظام سياسي، فهي وحدها القادرة على إنتاج سلطة مستقرة تحظى بالقبول العام، وتملك القدرة على تنفيذ برامجها ومحاسبة مسؤوليها.
ورغم انتهاء المدة القانونية لمجلس النواب، وما يوجه إليه من انتقادات، فإنه يظل الجسم التشريعي الوحيد الذي جاء عبر انتخابات عامة شارك فيها الليبيون، وهو ما يمنحه وضعًا مختلفًا عن بقية الأجسام التي أنشأتها الاتفاقات السياسية اللاحقة.
أما المجلس الأعلى للدولة، فقد بدا في انتخاباته الأخيرة وكأنه ينتخب نفسه لنفسه، بعيدًا عن اهتمام المواطنين. فلم تعد المنافسة على رئاسته تشغل الرأي العام، لأن المشكلة لم تعد في الأشخاص، بل في بقاء جسم سياسي تجاوزته التطورات، وانتهت المهمة التي أنشئ من أجلها.
ختاما نؤكد: إن تجاهل الليبيين لانتخابات مجلس الدولة ليس عزوفًا عن السياسة، بل رسالة واضحة بأن زمن الأجسام الانتقالية يجب أن ينتهي، وأن استمرار إنتاج المؤسسات المؤقتة لن يقود إلى دولة دائمة، ليبيا اليوم لا تحتاج إلى إعادة توزيع المقاعد بين الأجسام القائمة، وإنما إلى إعادة السلطة إلى مصدرها الطبيعي وهو الشعب، باعتباره وحده صاحب الشرعية، وصاحب الحق في اختيار من يحكمه، وفي رسم مستقبل دولته.
