استقالة العقول

بقلم/ محمد بوخروبة
في مدخل أحد المعاهد العليا كانت البوابات تضيق بطوابير طويلة من الطلاب والطالبات ينتظرون دورهم للعبور، حتى مزق السكون صوت فتاة صرخت في وجه طالب يقف إلى جوارها بكلمات إهانة وعنف لفظي.. لم تكن الكلمات مجرد صرخة، بل كانت صفارة إنذار أيقظت غريزة الاندفاع الجمعي، وفي لحظات وجد الشاب نفسه محاصرًا بعشرات الوجوه الغاضبة والأيدي المتحفزة، والأقدام التي سارعت إلى تنفيذ حكم لم يكتب في محضر ولم يعرض على قاض، ولم تمنح فيه الحقيقة فرصة واحدة للدفاع عن نفسها.
لم يسأل أحد ماذا حدث؟ ولم يمنح أحد الشاب حق الكلام، طلاب وطالبات انضم إليهم بعض أفراد الأمن وموظفون وزائرون وعابرون لا يعرفون شيئًا عن الواقعة، اندفعوا جميعًا بحسن نية لإنفاذ عقوبة سبقها الاتهام وسبق الاتهام فيها الدليل.
وبينما كانت الحشود تمارس يقينها الكامل، هرعت طالبة إلى غرفة الأمن وهمست بكلمات قليلة في أذن الضابط، خرج الرجل مسرعًا وشق الصفوف حتى بلغ الشاب الذي كان قد فقد القدرة على الحركة والكلام، ثم التفت إلى المتجمهرين قائلًا.. انتهى الأمر يا شباب.. زميلتكم تعاني اضطرابًا صحيًّا يجعلها تطلق مثل هذه العبارات بصورة مفاجئة.
لم يكن الشاب قد اقترف ذنبًا، كانت الفتاة مريضة وما صدر عنها لم يكن اتهامًا واعيًا، لكن الحقيقة وصلت متأخرة بعد أن سبقها الظن وبعد أن نالت الكرامة نصيبها من الأذى، وذاق إنسان بريء مرارة الإدانة قبل أن تعرف الوقائع، وفي دقائق معدودة خسر ما قد يحتاج إلى زمن طويل ليسترده، شعوره بالأمان وثقته بمن حوله وإحساسه بأن العدالة لا تزال تجد مكانًا بين الناس.
هذه الحكاية ليست عن فتاة مريضة، ولا عن طالب سيئ الحظ، وإنما عن ظاهرة تتسلل إلى حياتنا جميعًا كل يوم وبصور لا تكاد تحصى، إنها حكاية مجتمع يتكاثر فيه المتكلمون بينما يتناقص فيه المفكرون، اعتدنا أن نحمل وسائل التواصل الاجتماعي جانبًا كبيرًا من المسؤولية، وأن نلوم إعلامًا يلهث أحيانًا خلف الإثارة، وفي ذلك قدر من الحقيقة، لكن الحقيقة الكبرى أن المشكلة لا تكمن في سرعة انتقال الخبر، بل في سرعة استجابتنا له، فالوسيلة لا تستطيع أن تلغي عقل الإنسان إلا إذا تنازل هو طوعًا عن مسؤوليته في استخدامه وهنا تكمن القضية.
فالتفكير ليس رفاهية ذهنية ولا مهارة إضافية نمارسها متى شئنا، بل هو واجب أخلاقي ومسؤولية إنسانية تسبق كل كلمة ننطق بها وكل اتهام نطلقه وكل حكم نصدره، وهو يقتضي منا أن نعترف بأن معرفتنا محدودة وأن الرواية الأولى ليست بالضرورة الرواية الصحيحة، وأن الحقيقة لا تولد مكتملة في اللحظة الأولى، بل تتكشف بالتثبت والبحث والصبر وسماع جميع الأطراف.
غير أن ثقافة الاستعجال التي تحاصر الإنسان المعاصر كادت تقلب الموازين.. فأصبح التريث ضعفًا والتمحيص ترفًا والتحقق مضيعة للوقت، ومراجعة النفس بعد الخطأ عبئًا ثقيلًا لا يقوى عليه كثيرون، لم يعد السؤال هل أنا متأكد؟ بل أصبح كيف أكون أول من يعلق؟ وكأن السبق في إبداء الرأي أهم من صحة الرأي نفسه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يفر من التفكير لأنه عاجز عنه، بل لأنه يفر من تبعاته، فالتفكير الصادق قد يجبر صاحبه على مراجعة موقف أو تصحيح رأي أو الاعتذار عن إساءة أو الاعتراف بأنه تسرع في الحكم، وهذه مسؤوليات ثقيلة على من اعتاد اليقين السريع وألِف راحة الأحكام الجاهزة.
ولهذا لا تقتصر المشكلة على الوقائع الكبرى أو القضايا المثيرة، بل تمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية كلها، في الأسرة والعمل والجامعة والشارع وحتى داخل البيوت، كم من علاقة هدمها حكم متعجل، وكم من سمعة لوثتها رواية ناقصة، وكم من إنسان دفع ثمن لحظة استقال فيها الآخرون من مسؤولية التفكير، واكتفوا بأن يكونوا جزءًا من الجموع.
وليس بعيدًا عن ذلك ما نراه في بعض مجتمعاتنا العربية، ومنها ليبيا التي أنهكتها سنوات طويلة من الانقسام والاستقطاب، فقد أصبح تداول الأخبار والشائعات في كثير من الأحيان أسرع من التحقق منها، وغدا الانحياز للرواية التي توافق الموقف المسبق أسهل من البحث عن الحقيقة، وليس المقصود هنا إدانة مجتمع بعينه فهذه آفة إنسانية عامة، لكن المجتمعات التي تمر بظروف استثنائية تكون أحوج من غيرها إلى يقظة العقل، لأن الكلمة فيها قد لا تسيء إلى فرد فحسب، بل قد تعمق انقسامًا أو تؤجج فتنة أو تؤخر مصالحة يحتاج إليها الجميع.
إن المجتمعات لا تضعف فقط حين تغيب القوانين، وإنما حين يضعف الضمير الفردي، فالحشد، مهما بلغ عدده، لا يعفي أفراده من مسؤولياتهم، بل قد يكون أخطر ما فيه أنه يمنح كل فرد شعورًا زائفًا بأن مسؤوليته قد ذابت في مسؤولية الجميع، ومن هنا يبدأ التراجع الحقيقي حين يتخلى الناس عن عبء التفكير، ويكتفون بترديد ما يسمعون أو السير حيث تسير الجموع، دون أن يسألوا أنفسهم إلى أين ولماذا؟
وقد علمتنا حضارتنا أن التفكر عبادة، وأن التثبت خلق وأن العدل لا يبدأ في قاعات المحاكم، بل يبدأ داخل الإنسان حين ينتصر على هواه قبل أن يحاكم غيره، وحين يقدم الدليل على الظن والإنصاف على الانفعال والحقيقة على الرغبة.
إن الأوطان لا يبنيها أصحاب المناصب وحدهم، وإنما يبنيها أيضا مواطنون يحملون مسؤولية عقولهم كما يحملون مسؤولية أعمالهم، فكل رأي شهادة، وكل كلمة أثر، وكل حكم قد يغير مصير إنسان أو يرمم حياة أو يهدمها، وحين يستقيل الفرد من مسؤولية التفكير، يظن أنه خفف عن نفسه عبئًا، بينما يكون قد ألقى على المجتمع حملًا جديدًا، ومع تكرار هذا الهروب فردًا بعد فرد تضيق مساحات الحكمة وتتراجع قيمة الحقيقة وينكمش المجتمع إلى حشود تتكلم كثيرًا.. لكنها لا تحسن الإصغاء وتدين سريعًا.. لكنها تؤجل الفهم وتصدر الأحكام بثقة.. بينما تكون أول المستقيلين من مسؤولية التفكير.
