مقالات الرأي

الغبن الفاحش.. أرض بثمن بخس!



بقلم د / مصطفى الزائدي

تتضح بعض خلفيات الإعلان الغريب لرئيس الحكومة بدعم المستثمرين الذين يزرعون أكثر من نصف مليون شتلة زيتون، حيث وعدهم بشتول ومبيدات وكهرباء مجانًا، بذريعة الحرص على التوسع في زراعة الزيتون. وأجمع الخبراء على أن ذلك الحجم من الأشجار المراد زرعها – لو استُخدمت به أفضل طرق الزراعة الكثيفة الحديثة – فإنه يحتاج إلى ما لا يقل عن خمسين ألف هكتار صالحة تمامًا للزراعة، أي تقريبًا 50/100 كم!

ويقول الخبراء: لو وجدت جدية في ذلك، لتم دعم صغار الفلاحين، والاهتمام بالمشروعات الزراعية الوطنية، وربما إدارتها بالمشاركة مع المستثمرين – إن وجدوا – وليس تقديمها هبة لهم.

الآن قد انكشف الأمر، و”طاح الغطاء”، بعد أن قامت النيابة العامة بحبس بعض الشخصيات القيادية في جهاز تنمية واستثمار المشروعات الزراعية، على خلفية إهدار المال العام، حيث قام الجهاز بإبرام عقود استثمار لبعض المشروعات الزراعية مع أشخاص رأسماليين بمبالغ زهيدة وتافهة، تراوحت بين 30 دينارًا للهكتار سنويًّا، وهو ما وصفته النيابة العامة بأنه غبن فاحش!!

بالنظر إلى أن أغلب الأراضي الزراعية في ليبيا ملكيات خاصة صغيرة، عدا تلك التي تقع في المشروعات الضخمة التي استصلحتها الدولة خلال العقود الماضية في الجنوب، وباطن الجبل الغربي، والجبل الأخضر، والأراضي التي تقع ضمن المسار الطويل للنهر الصناعي العظيم، الذي ساهم كل ليبي، من خلال ضريبة النهر، في تمويله، حيث يمكن إيجاد آلاف الهكتارات لغرض الاستصلاح، وهي بالتأكيد الأراضي التي يتحدث عنها رئيس الحكومة، وتمت بشأنها تحقيقات النيابة العامة.

الحكومة فاقدة الشرعية والوطنية تحاول تقديم مياهه والأراضي المستهدفة مجانًا تقريبًا إلى أشخاص تمكنوا من وضع أيديهم على أموال الشعب الليبي من خلال أبشع عملية فساد شهدتها ليبيا طوال تاريخها!

لليبيين تجارب ناجحة في استثمار الأرض مقابل استصلاحها على مستوى الأفراد أو الدولة. فبالنسبة للأفراد، كان يُطبق نظام شعبي بسيط يسمى “المغارسة”، حيث يقوم المستثمر باستغلال الأرض وزرعها بالأشجار المثمرة المعمرة “الزيتون والنخيل”، وبعد الانتهاء يمتلك نصف الأرض. كما يؤجر أغلب الفلاحين الليبيين الآن أراضيهم لمزارعين من مصر وإفريقيا وتونس، مقابل حصول المزارع الأجنبي على ربع الإنتاج!

وقامت الدولة خلال سبعينيات القرن الماضي بعملية تنمية زراعية واسعة من خلال مشروعات زراعية إنتاجية واستيطانية ضخمة، وقامت بتوزيع المشروعات الاستيطانية على المواطنين في الجبل الأخضر، وسهل الجفارة، الصلول الخضر بالوسط، بينما تولت إدارة المشروعات الاستراتيجية في الجنوب الغربي، والكفرة، والسرير، والواحات، ومشروعات الأبقار، والتي تعرضت لأضرار بسبب الفساد والنهب والإهمال منذ النكبة.

فكيف نقرأ تأجير أراضٍ هي ملك لكل الليبيين شرعًا بقيم تافهة؟ ذلك يعني فقط تقنين النهب والسرقة وحمايتهم بغطاءات قانونية مهترئة!

كان يفترض أن يقدم المستثمرون الذين يتحصلون على مساحات واسعة من الأرض مقابلًا مجزيًا، علاوة على نسب كبيرة من الأرباح، خاصة وأن كل تلك الأراضي المستهدفة تقع ضمن مناطق سبق استصلاحها، فالحقيقة أنه لم تبقَ بقعة في ليبيا بها إمكانية للاستصلاح إلا وصلتها أيادي التنمية الزراعية!

الشكر واجب للإخوة النائب العام ومساعديه، والدعوة ملحَّة إلى كل المهندسين والموظفين في الأملاك العامة، وأجهزة النهر الصناعي العظيم، وأجهزة الرقابة المختلفة، بأن يقاوموا هذه الجريمة، أو على الأقل ألا يتورطوا فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى