مقالات الرأي

الصحة والحياة رهينة قطرة

بقلم / د.علي المبروك أبوقرين


حين يصبح الماء سؤالًا لا إجابة له، تتحول الحياة نفسها إلى حالة طوارئ مفتوحة لا تنتهي، فالماء ليس خدمة يمكن تأجيلها أو تعويضها، هو الشرط الأول لوجود الإنسان واستمرار المجتمع وبقاء الدولة، وإذا كان انقطاع الكهرباء يرهق الحياة فإن انقطاع الماء ينهيها، وإذا كان الظلام يمكن احتماله لساعات فإن العطش لا يُحتمل لدقائق، وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي يجب أن يوقظ فينا جميعًا حس المسؤولية قبل فوات الأوان، فالنهر الصناعي في ليبيا ليس مجرد مشروع هندسي عظيم ولا مجرد منظومة نقل مياه ممتدة في الصحراء، هو شريان حياة نابض يحمل البقاء إلى مدن كاملة تعيش على حافته، ويغذي كل بيت وكل مستشفى وكل مدرسة وكل حقل وكل مصنع، وهو العمود الفقري للأمن الصحي والغذائي والإنساني في البلاد، ومن دونه تصبح المدن عطشى والمستشفيات عاجزة والزراعة مهددة والبيئة مختنقة، وتصبح حياة الملايين معلقة على احتمالات قاسية لا يمكن السيطرة عليها، إن أي خلل واسع في هذه المنظومة لن يكون مجرد عطل فني إنما زلزال وطني تتداعى معه كل القطاعات الصحية والخدمية دفعة واحدة، حيث تتوقف المستشفيات عن أداء دورها في لحظة حرجة وتتعطل خدمات الغسيل الكلوي والعناية المركزة وتنهار منظومات التعقيم والنظافة وتزداد مخاطر العدوى والأوبئة، وتتحول المدن إلى بيئات خصبة للأمراض نتيجة غياب المياه النظيفة وتراجع خدمات الصرف الصحي، ويصبح الأمن الغذائي مهددًا مع توقف الزراعة وغياب الري، وتبدأ موجات نزوح داخلي صامتة بحثًا عن مصدر ماء قد لا يكون موجودًا أصلًا، فيتحول الضغط الاجتماعي إلى اضطراب إنساني واسع لا يمكن احتواؤه بسهولة، وهذه ليست مبالغة إنها قراءة واقعية لما يحدث عندما يفقد مجتمع مصدره الوحيد للمياه، لقد صمد هذا المشروع لأكثر من أربعة عقود بفضل عقول وسواعد ليبية آمنت بأن الماء حق وطني لا يقبل المساومة، لكن الزمن لا يرحم أي منظومة تُترك دون صيانة أو تطوير، فالتآكل يتسلل بصمت، والأنابيب تضعف، ومحطات الضخ تستهلك، وأنظمة الحماية تحتاج تحديثًا مستمرًا، وأي تأجيل في الإحلال والتجديد هو في الحقيقة اقتراب خطوة إضافية نحو لحظة الانهيار التي لا نملك ترف مواجهتها، فالتكلفة الحقيقية إنسانية وصحية وأمنية، وهي تكلفة لا يمكن لأي دولة أن تتحملها، إن حماية النهر الصناعي ليست مسؤولية جهة واحدة ولا قطاع بعينه، هي مسؤولية سيادية تعادل حماية الحدود والسيادة الوطنية، لأن من يملك الماء يملك الاستقرار، ومن يفقده يفقد القدرة على البقاء، وهنا يجب أن تتحول هذه القضية من ملف خدمي إلى أولوية وطنية عليا تُسخر لها الموارد وتُوحد لها المؤسسات وتُحمى من العبث والإهمال والتجاذبات، ويُعاد الاعتبار للصيانة الدورية والتطوير المستمر والتأمين الكامل لكل مكونات المنظومة، كما يجب إشراك المجتمع في الوعي بخطورة الاعتداء على هذا الشريان الحيوي لأن أي ضرر يلحق به هو ضرر مباشر بحياة كل مواطن دون استثناء، إننا اليوم لا نملك رفاهية الانتظار ولا مساحة للخطأ، فالمعركة لم تعد معركة خدمات هي معركة بقاء، والنهر الصناعي ليس مجرد إنجاز نفخر به هو أمانة يجب أن نحميها، لأنه ببساطة هو الخط الفاصل بين الاستقرار والانهيار، وبين الحياة والعطش، وبين وطن قادر على الاستمرار ووطن مهدد في أساس وجوده، على الجميع التكاتف حتى يبقى هذا الشريان نابضًا بالحياة للأجيال القادمة..

زر الذهاب إلى الأعلى