مقالات الرأي

الفجوة البنيوية في النظام الصحي

بقلم/ د. علي المبروك أبو قرين

النظام الصحي في ليبيا لا يعاني من نقص الموارد البشرية فقط، إنما من خلل بنيوي عميق يتمثل في غياب التكامل بين التعليم الطبي والتدريب السريري والتخصص المهني والحوكمة والتنظيم. في المقابل تعتمد الدول المتقدمة على نموذج موحد قائم على مستشفى جامعي وتدريب إلزامي وتقييم مستمر وترخيص صارم. تتمثل أولى مظاهر الفجوة في غياب المستشفيات الجامعية، حيث ترتبط كل كلية طب في الدول المتقدمة بمستشفى جامعي فعلي، يشكل بيئة تعليم وعلاج وبحث في آن واحد، بينما يوجد في ليبيا أكثر من ثلاثين كلية طب دون وجود مستشفى جامعي واحد مطابق للمعايير.

مما يؤدي إلى تخريج أطباء دون تدريب سريري كاف، وانهيار جودة المخرجات التعليمية، كما يظهر الخلل في تضخم التعليم الطبي مقابل ضعف القدرة التدريبية، ففي الدول المتقدمة يتم تحديد أعداد المقبولين بناء على القدرة الاستيعابية للمستشفيات، بينما شهدت ليبيا توسعا غير منضبط في الكليات دون توفر كوادر مؤهلة أو بنية تحتية أو حالات مرضية كافية للتدريب، مما أدى إلى فائض عددي يقابله عجز مهاري عميق. وتبرز المشكلة بشكل أوضح في منظومة التخصص، حيث يتم التخصص في الدول المتقدمة داخل مستشفيات تعليمية تحت إشراف استشاريين معتمدين مع تقييم دوري صارم، بينما يعتمد النظام في ليبيا على بورد محلي وعربي يفتقر إلى مستشفيات تدريب كافية وهيئة تدريس مكتملة وبيئة بحثية حقيقية، مما ينتج عنه ضعف في التخصصات الدقيقة، وعدم تجانس مستوى الأخصائيين. كما تعاني منظومة التمريض والمهن الصحية المساعدة من انهيار واضح، ففي الدول المتقدمة يقوم التمريض على تعليم جامعي وتخصصات دقيقة وتدريب مستمر إلزامي، بينما يغلب على التمريض في ليبيا التعليم المتوسط وضعف التدريب وغياب التخصص، وهو ما يؤدي إلى انخفاض جودة الرعاية حتى في وجود طبيب جيد.

ويضاف إلى ذلك تضارب الأدوار المهنية، حيث يعمل الطبيب في الدول المتقدمة ضمن مسار واضح، إما أكاديمي متفرغ أو سريري منظم، بينما يقوم الطبيب في ليبيا بعدة أدوار متزامنة تشمل التدريس والعمل الحكومي والخاص والأنشطة التدريبية والإدارية، مما يؤدي إلى فقدان التركيز وتراجع الجودة وغياب التفرغ العلمي. وتشير المؤشرات العامة إلى فجوة كبيرة، حيث تتميز الدول المتقدمة بسعة سريرية مرتفعة تتراوح بين ستة وثلاثة عشر سريرا لكل ألف نسمة، وبوجود مستشفيات جامعية أساسية، ونظم تخصص صارمة، وتمريض عالي التأهيل، وبحث علمي نشط، وتقييم مهني مستمر، بينما تعاني ليبيا من انخفاض السعة السريرية، والمتوفر لا تصل نسبة الإشغال 40% منها لأسباب عدة، وغياب المستشفيات الجامعية، وضعف التخصص، وهشاشة التمريض، وغياب البحث العلمي، وضعف التقييم المهني.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في عدد الأطباء ولا في عدد الكليات، إنما في غياب النظام الصحي التعليمي المتكامل القائم على الربط بين التعليم والتدريب والخدمة الصحية. ولذا فإن الإصلاح يتطلب مسارًا مرحليًا واضحًا يبدأ بإيقاف التوسع العشوائي من خلال تجميد إنشاء كليات جديدة، ومراجعة القائم منها، وتنظيم القبول وفقًا للقدرة التدريبية، ثم الانتقال إلى بناء الأساس عبر إنشاء عدد محدود من المستشفيات الجامعية الحقيقية وربطها بالكليات، وإعادة هيكلة منظومة البورد وربطها بالمستشفيات التعليمية، مع الاستعانة بإشراف دولي مؤقت، يلي ذلك إصلاح منظومة التخصص من خلال الابتعاث المنظم، وفرض التعليم المستمر وإعادة الترخيص الدوري، ثم إعادة بناء التمريض عبر تحويل التعليم إلى جامعي، وإنشاء مسارات تخصصية، وتحسين الظروف المهنية، وأخيرًا إصلاح الحوكمة من خلال فصل التعليم عن الممارسة التجارية، وتنظيم العمل المهني، ومنع الجمع العشوائي بين الوظائف، وإنشاء هيئة مستقلة للترخيص تقوم على معايير علمية صارمة.

إن إصلاح النظام الصحي في ليبيا لا يمكن أن يتحقق عبر حلول جزئية أو توسع كمي غير مدروس، إنما يتطلب إعادة تأسيس جذرية تقوم على بناء منظومة تعليمية علاجية متكاملة، يكون محورها المستشفى الجامعي، وعمادها الكفاءة، وشرطها الأساسي هو التدريب الحقيقي والتقييم المستمر لضمان جودة المخرجات وتحقيق الأمان الصحي للمجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى