مقالات الرأي

حين تنطفئ الكهرباء يضئ الخطر

بقلم/ د. علي المبروك أبو قرين

في لحظات انقطاع التيار لا يغيب الضوء فقط إنما تنكشف هشاشة منظومةٍ كاملة تمس صحة الإنسان وسلامته في بيته ومجتمعه. ما يبدو انقطاعًا مؤقتًا قد يتحول في الواقع إلى سلسلة متداخلة من المخاطر الصحية، تبدأ من الأجهزة الطبية داخل المنازل، وتمتد إلى المستشفيات، وسلاسل الإمداد الدوائي، وتنتهي عند الفئات الأضعف التي تتحمل العبء الأكبر. في داخل المنازل يقف المرضى الذين تعتمد حياتهم على أجهزة طبية في الخط الأول للخطر. أجهزة الأكسجين ومكثفات الهواء وأجهزة التنفس الصناعي المنزلية، كلها خطوط حياة قد تنقطع خلال دقائق. كما أن المرضى الذين يعتمدون على مضخات الأدوية أو الغسيل الكلوي المنزلي يواجهون خطر تدهور سريع قد لا يحتمل التأخير.

وفي الوقت ذاته، تتعرض الأدوية الحساسة وعلى رأسها الأنسولين واللقاحات والعلاجات البيولوجية، لفقدان فعاليتها مع اختلال درجات التبريد ما يحول العلاج إلى خطرٍ كبير. ومع ارتفاع درجات الحرارة يدخل الجسم في مواجهة قاسية مع الإجهاد الحراري. غياب التكييف والتهوية يمنع التبريد الطبيعي فتزداد احتمالات الجفاف وضربات الشمس خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى القلب. وفي المطابخ، تبدأ مخاطر أخرى لا تقل خطورة حيث تتكاثر البكتيريا في الأغذية المحفوظة مع ارتفاع حرارة الثلاجات، ما يرفع احتمالات التسمم الغذائي حتى دون علامات واضحة.

وتتسلل مخاطر إضافية عبر ممارسات اضطرارية مثل استخدام المولدات داخل أماكن غير آمنة، ما قد يؤدي إلى التسمم بغاز أول أكسيد الكربون، أو الاعتماد على الشموع، بما يحمله من خطر الحرائق. وهكذا يتحول المنزل إلى مساحة تحتاج إلى إدارة واعية للمخاطر وليس مجرد انتظار عودة التيار. لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى ما يحدث خارج المنازل، داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

فهذه المؤسسات، التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، تواجه تحديات مضاعفة. الضغط المستمر على المولدات الاحتياطية قد يؤدي إلى أعطال مفاجئة مما يهدد غرف العمليات، ووحدات العناية المركزة، وحاضنات الأطفال حديثي الولادة. كما أن اضطراب الكهرباء يؤثر على أجهزة التشخيص وسلامة الدم وسلاسل التبريد الخاصة بالأدوية واللقاحات، وقد يربك عمل الطواقم الطبية ويزيد من الضغط النفسي والمهني عليها. وفي أوقات الأزمات الممتدة تبرز الحاجة إلى حلول إنسانية مجتمعية، مثل مراكز الإيواء المبردة.

هذه المراكز ليست مجرد أماكن بديلة إنما هي مساحات إنقاذ حقيقية للفئات الأكثر عرضة للخطر، ككبار السن والمرضى والأطفال، حيث توفر بيئة آمنة ومكيفة ومزودة بالخدمات الأساسية خلال فترات الانقطاع الطويلة وموجات الحر. أمام هذا المشهد يصبح الوعي الفردي حجر الأساس. تأمين مصادر طاقة احتياطية للأجهزة الطبية ولو لساعات محدودة قد ينقذ حياة. إبقاء أبواب الثلاجات مغلقة، واستخدام وسائل تبريد بديلة للأدوية مثل الحقائب المخصصة، وشرب الماء بانتظام، والبحث عن الأماكن الأكثر برودة داخل المنزل، كلها إجراءات بسيطة لكنها حاسمة. كما أن الالتزام الصارم بوضع المولدات خارج المنازل، والحذر عند استخدام وسائل الإضاءة البديلة، يقلل من المخاطر القاتلة.

غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود الأفراد إنها تمتد إلى مستوى التخطيط والإدارة. فإدارة هذه الأزمة تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تبدأ بإنشاء سجل وطني للمرضى المعتمدين على الأجهزة الحيوية، لضمان متابعتهم وتقديم الدعم اللازم لهم. كما أن تحصين المستشفيات ومراكز الرعاية بأنظمة طاقة مزدوجة، تجمع بين المولدات التقليدية والطاقة المتجددة، يمثل خط دفاع حاسم لضمان استمرارية الخدمات. ويأتي تأمين سلاسل التبريد الدوائي في مقدمة الأولويات من خلال شبكات كهرباء مستقلة ومخازن مجهزة، لحماية المخزون الوطني من التلف.

كما أن تفعيل أنظمة الإنذار المبكر، عبر رسائل تنبيه مسبقة بانقطاع التيار يمنح الأسر وقتًا كافيًا لاتخاذ التدابير الوقائية. ومن المهم أيضًا تطوير خطط مجتمعية واضحة تشمل تجهيز مراكز إيواء وتدريب فرق الاستجابة وتعزيز التوعية الصحية المستمرة، بحيث يصبح التعامل مع انقطاع الكهرباء جزءًا من ثقافة السلامة العامة وليس رد فعل مؤقت. إن انقطاع الكهرباء ليس مجرد خلل تقني، إنه تحد صحي وإنساني يتطلب وعيًا جماعيًا وتكاملًا بين الفرد والمؤسسة.

وبينما قد لا نستطيع منع حدوثه، فإننا نملك القدرة على تقليل مخاطره وحماية الأرواح، وتحويل المعرفة إلى درع يحفظ الحياة في أحلك اللحظات. فحين يغيب الضوء يبقى الوعي هو النور الذي لا ينطفئ. وتبقى السلامة مسؤولية مشتركة تبدأ من داخل كل منزل حيث تتحول المعرفة إلى حماية والانتباه إلى نجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى