مقالات الرأي

القطاع الصحي العام سيادة وكرامة وأمان

د.علي المبروك أبوقرين

القطاع الصحي العام ليس مجرد وزارة ولا موازنات تُكتب في دفاتر، ولا مستشفيات تُبنى من إسمنت وحديد. إنما هو العمود الفقري الخفي الذي يحمل حياة الأمة كلها، وهو الحارس الصامت الذي يقف على بوابات الوجود الإنساني. يمنع الانهيار قبل أن يبدأ، ويصنع الحياة قبل أن تُهدد.

في ليبيا وفي كل وطن يشبهها، القطاع الصحي الحكومي ليس خيارًا بين خيارات، ولا مسارًا من مسارات التنمية. إنما هو خط الدفاع الأول والأخير وربما الوحيد. هو الجيش الذي لا يُرى لكنه يقاتل كل يوم ضد الأمراض قبل أن تُولد، وضد الأوبئة قبل أن تنتشر، وضد الفوضى قبل أن تتحول إلى كارثة.

إنه الذي يفهم أن الصحة لا تبدأ في المستشفى بل في الماء النظيف والهواء النقي والغذاء الآمن والسكن اللائق والتعليم الواعي. هو الذي يرى المرض قبل أن يظهر، ويتنبأ به قبل أن يُشخص، ويمنعه قبل أن يُعالج. هذه ليست رفاهية إنما هي أعلى درجات العلم وأعمق أشكال الحضارة.

وعندما يضعف هذا القطاع لا يضعف جزء من الدولة إنما ينهار مفهوم الدولة نفسه. وعندما يُترك هذا القطاع دون تمكين حقي، أو يُدار بمنطق الحد الأدنى في دولة غنية ريعية كليبيا، فإن ذلك لا يُعد تقصيرًا فحسب إنما هو إخلال جسيم بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية. لأن ما يجب أن يُقدم ليس مجرد خدمة صحية إنما منظومة صحية عمومية مجانية بالكامل وعالية الجودة ومتاحة للجميع دون استثناء، وقادرة بإمكاناتها البشرية والتقنية والعلمية على أن تضاهي بل وتتجاوز ما هو قائم في أكثر الدول تقدمًا علميًا وطبيًا.

إن المجانية هنا ليست شعارًا إنها التزام سيادي، والجودة ليست هدفًا مرحليًا إنها معيارًا ثابتًا، والتكامل ليس ترفًا إنه ضرورة وجودية. فدولة تمتلك الموارد ولا توفر صحة متكاملة وقريبة وآمنة وفعالة لكل مواطن إنما تفرط في أعظم ما تملك وهو الإنسان.

عندما يُهمل القطاع تُفتح الأبواب للأوبئة وتُترك المجتمعات عارية أمام الفيروسات، وتتحول الأمراض القابلة للوقاية إلى كوارث وطنية. وعندما يُفتّت تضيع المسؤولية وتتلاشى المحاسبة، ويصبح المريض رقمًا ضائعًا بين مؤسسات متنازعة لا نظام لها ولا روح فيها. وعندما يُستبدل بمنطق السوق تتحول الصحة إلى سلعة، ويُختزل الإنسان إلى زبون، وتُقاس الحياة بالقدرة على الدفع وليس بالحق في البقاء. وهنا تكمن الكارثة الكبرى.

لأن القطاع الصحي الحكومي القوي لا يبيع الصحة إنما يحميها. ولا ينتظر المرض بل يمنعه. ولا يفرق بين غني وفقير إنه يساوي بينهم في الحق في الحياة. ولا يترك الضعفاء إنما يجعلهم أولويته الأولى. هو الذي يحمل كبار السن حين تضعف أجسادهم، ويحتضن الأطفال قبل أن تُهددهم الأمراض، ويرعى المرضى المزمنين، ويقف بجانب المصابين بالأمراض النادرة والمعقدة، ويمنح الأمل لمن ظن أن لا أمل.

هو الذي يذهب إلى المواطن في بيته وفي عمله وفي مدينته النائية لا ينتظر أن يأتيه. هو الذي يضمن أن العلاج ليس امتيازًا إنما حقًا أصيلًا. وأن الدواء ليس تجارة إنما أمانة. وأن الطبيب ليس بائع خدمة إنه حارس حياة.

وفي لحظات الكوارث عندما تسقط الأنظمة وتضطرب الدول، وتشتعل الحروب يبقى هذا القطاع هو آخر ما يصمد. هو الذي ينقذ المصابين، ويحتوي الأزمات، ويمنع الانهيار الكامل. هو صمام الأمان حين تنكسر كل الصمامات.

لكن الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من المرض إنما من إهمال هذا القطاع الهام. إهماله يعني فتح الباب للفوضى الصحية. وتجاوزه يعني تسليم حياة الناس لجهات بلا ضوابط. وتفتيته يعني قتل فكرة النظام نفسها. وإضعافه يعني تحويل المجتمع إلى حقل تجارب للأوبئة والأمراض. وتهميشه يعني إعلانًا غير مباشر بأن حياة الإنسان لم تعد أولوية. وهذا ليس خطأ إداريًا إنه خطيئة وطنية.

إن بناء قطاع صحي حكومي قوي وموحد وشفاف وقائم على العلم والعدالة ليس مشروعًا تقنيًا إنما هو مشروع أخلاقي وسيادي. وهو إعلان أن الدولة تحمي شعبها، وأن الإنسان فيها أغلى من كل الموارد، وأن الحياة ليست قابلة للمساومة. إنه التزام بأن الأجيال القادمة لن ترث نظامًا مكسورًا إنما ترث منظومة تحميها وتطيل أعمارها الصحية، وتحسن جودة حياتها.

فلا صحة بلا قطاع عام قوي. ولا عدالة بلا نظام صحي شامل. ولا أمن حقي بلا صحة عمومية. ولا مستقبل لوطن يترك صحة شعبه للصدفة أو السوق أو الفوضى.

الصحة العمومية كرامة وليست خدمة. ووطن وليست قطاعًا.


زر الذهاب إلى الأعلى