مقالات الرأي

الديمقراطية التمثيلية هل أخلفت وعد السيادة الشعبية الجزء الأول


بقلم: محمد المختار
لكل عصرٍ سؤاله السياسي الذي يختزلُ جوهرَه ويُجسِّدُ هَمَّه الأعمق. وإذا كان سؤال الأمس يدور حول شرعية الحكم ومصادرها، فإن سؤال اليوم يتجلَّى في مفارقةٍ كبرى تخترقُ نسيجَ الديمقراطيات المعاصرة: هل يكفي أن يختار الشعبُ حُكَّامَه حتى يُقال إنه يَحكُمُ نفسه بنفسه، أم أن السيادة لا تتحقَّقُ إلا حين يَضطلع المواطنون بدورٍ فاعلٍ ومستمرٍّ في صياغة القرارات التي ترسم ملامحَ مصيرهم المشترك؟
ليس هذا السؤالُ مجردَ نقاشٍ تقنيٍّ حول المؤسسات أو آلياتِ الاقتراع، بل هو مراجعةٌ أنطولوجيةٌ لمعنى الديمقراطية ذاتها، ولطبيعة العلاقة الجدلية بين المجتمع والدولة والسلطة. فثمة فارقٌ جوهريٌّ بين أن تُعلن السيادةُ للشعب في دساتيرٍ جامدة، وبين أن يمتلك الشعبُ الأدواتَ العمليةَ لممارستها في الحياة اليومية، ممارسةً تتجاوزُ لحظةَ الانتخاب العابرة إلى أفقٍ دائمٍ من المشاركة والمراقبة والمحاسبة.
التحول الصامت للسيادة: وُلِدَت الديمقراطيةُ التمثيليةُ – في سياقها التاريخي – بوصفها حلًّا عمليًّا لمعضلة المجتمعات المتسعة، حيث بدا من المتعذِّر أن يشارك ملايين المواطنين مشاركةً مباشرةً في كلِّ قرارٍ عامٍّ، فجاءت فكرةُ النيابة السياسية بوصفها أداةً لتنظيم الإرادة الشعبية وتفويضها، لا بوصفها بديلًا عنها أو نقيضًا لها.
غير أن مسارَ التطوّر التاريخي كشف عن تحوُّلٍ دقيقٍ، ولكنّه عميق: فما ابتدأ تفويضًا محدودًا مؤقتًا، تحوَّل تدريجيًا إلى بنيةٍ سياسيةٍ مكتفيةٍ بذاتها، تتمتَّع باستقلال متزايد عن نبض المجتمع، حتى باتت مؤسساتُ التمثيل – في كثير من الأحيان – تمارس السلطةَ باسم الشعب أكثرَ مما تمارسُها بإرادته المباشرة، أو تحت إشرافه النافذ.
وهكذا أمسى المواطنُ يحتفظُ بحقِّ انتخاب ممثليه، غير أنه قلَّما يمتلك أدواتٍ نافذةً للمشاركة المستمرة في توجيه السياسات العامة، أو مراجعتها، أو تصويب مساراتها. ومن ثمَّ، صارت السيادةُ الشعبيةُ مهدَّدةً بأن تتحوَّل إلى مبدأٍ دستوريٍّ مُعلنٍ، أكثرَ منها ممارسةً سياسيةً حيَّةً تتنفَّسُ في فضاءِ الحياة اليومية.
اختزال الديمقراطية في الانتخابات: لا يُنكرُ عاقلٌ أن الانتخابات تمثِّلُ أحدَ أبرز منجزات الحداثة السياسية، فقد أسهمت في كبح جماح الاستبداد، وأرست مبدأ التداول السلمي للسلطة، ومنحت الحكومات شرعيةً تستند إلى الإرادة العامة الظاهرة.
غير أن اختزالَ الديمقراطية في العملية الانتخابية وحدها، يُفرغُها من كثيرٍ من مضمونها الجوهري. فالاقتراعُ يحدِّد مَن يتولَّى إدارةَ أجهزة الدولة، لكنه لا يمنح المواطنين بالضرورة القدرةَ على تحديد أولويات العمل العام، أو صياغةِ جدول السياسات، أو مراقبةِ السلطةِ مراقبةً مستمرةً بعد انقضاء زمن الحملات الانتخابية.
وعندما يضيقُ دورُ المواطن في الإدلاء بصوته كلَّ بضع سنواتٍ، تتحوَّل السياسةُ إلى حرفةٍ ومهنةٍ تحتكرها فئةٌ ضيِّقةٌ، في حين يظلُّ المجتمعُ متلقِّيًا لقراراتٍ تُصاغ في فضاءاتٍ تتزايد ابتعادًا عن ساحات النقاش العمومي، فتفقد بذلك الديمقراطيةُ روحَها التشاركية وتتحوَّل إلى مجرد ترسٍ في آلةٍ بيروقراطيةٍ باردة.
وهْم الأغلبية: يُعَدُّ حكمُ الأغلبية من أعمدة الديمقراطية التمثيلية، بيد أن هذه المقولة تستحقُّ وقفةً تأمُّليةً تخرقُ بداهتها السطحية. ففي كثيرٍ من الأنظمة، تحصُل الحكوماتُ على صلاحياتٍ واسعةٍ استنادًا إلى تأييدٍ فعليٍّ لا يمثِّل سوى نسبةٍ محدودةٍ من مجموع المواطنين، وذلك بسبب العزوف عن التصويت، أو ضعف المشاركة، أو تشوُّهات النظام الانتخابي نفسه.
قد تكون هذه الشرعيةُ صحيحةً من الناحية الإجرائية، لكنها تثيرُ سؤالًا سياسيًّا مشروعًا: إلى أيِّ مدى يمكن لأغلبيةٍ انتخابيةٍ ظرفيةٍ – قد لا تتجاوز بضعةَ عشراتٍ من المئة – أن تجسِّدَ الإرادةَ الدائمةَ للمجتمع بأسره؟ إن الديمقراطيةَ ليست عمليةً حسابيةً لفرز الأصوات فحسب، بل هي عمليةٌ اتصاليةٌ مستمرةٌ لصياغة الإرادة العامة، تظلُّ فيها المشاركةُ المجتمعيةُ حاضرةً قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، وإلا تحوَّلت السيادةُ إلى سرابٍ دستوريٍّ يتبدَّدُ عند أولِ اختبار.
الأحزاب السياسية ومؤسسة الاحتكار: لا يمكن إنكارُ الدور التاريخي الذي نهضت به الأحزاب السياسية في ترسيخ النظم الديمقراطية، وتنظيم التعدُّدية، وتأطير البرامج والأفكار ضمن صراعاتٍ مؤسَّسةٍ قابلةٍ للحوار والتفاوض. لكنها – في المقابل – أسهمت أيضًا في احتراف السياسة وتحويلها إلى مجالٍ مغلقٍ نسبيًا، حتى غدا الوصولُ إلى الفضاء العام – في كثيرٍ من الأحيان – مرهونًا بالانخراط في البنى الحزبية التي تحمل من داخلها منطقَ المركزية والهرمية.
وليست العلةُ في وجود الأحزاب ذاتها، بل في تحوُّلها من أدواتٍ لخدمة المجتمع وترشيدِ ممارسته لحقِّه الطبيعي في السيادة، إلى وسطاءَ دائمين يحتكرون التعبيرَ عن الإرادة الشعبية، ويصادرون حقَّ المواطنين في الابتكار السياسي والمبادرة المدنية. فالأحزاب – بحكم طبيعتها – تمثِّلُ رؤىً واتجاهاتٍ ومصالحَ محدَّدةً، ولا تستطيع اختزالَ المجتمع في خطابها أو برامجها. ومن هنا، فإن الديمقراطيةَ تصبحُ أكثرَ اكتمالًا حين تظلُّ المشاركةُ أوسعَ من حدود التنظيمات الحزبية، وحين تبقى المؤسساتُ مفتوحةً أمام المبادرات المدنية، والرقابة المجتمعية، والتداول الحرِّ للأفكار.

زر الذهاب إلى الأعلى