مقالات الرأي

إيران.. إلى بيت الطاعة ولو من ثقب إبرة



بقلم / محمد عبدالقادر

لم تكن العبارة الفقهية “بيت الطاعة” يومًا أكثر دقة في التعبير عن الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران كما هي اليوم؛ حيث بلغت المواجهة ذروتها في صراع إرادات صفري بين منطق الهيمنة وصمود الجيوسياسية الإيرانية.

تتبدى واشنطن اليوم وهي تبحث باستماتة عن “ثقب إبرة” ينفذ منه نفوذها لإخضاع طهران، مستندة إلى إرث تذبذب بين صدمات “بريجينسكي” العسكرية، وتحجيم “كيسنجر” الذي أراد إجبار إيران على الاختيار بين أن تكون “ثورة أيديولوجية” أو “دولة مصالح طبيعية” تابعة للفلك الغربي.

في كتابه “حرب الغسق”، يوثق ديفيد كريست هذا الصراع الممتد، موضّحًا:

“إن الصراع الأمريكي الإيراني لم يكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل حربًا مستمرة في الظلال حرَّكتها رغبةٌ أمريكيةٌ حاسمة في كسر إرادة النظام الإيراني وإعادته قسرًا إلى المنظومة التي خرج منها عام 1979”.

لكن هذه المقاربة الصفرية المبنية على الحصار الخانق والردع العسكري أثبتت عقمها؛ فبدلًا من الانهيار، طوّرت طهران استراتيجيات صمود هجينة عبر شبكة وكلاء إقليميين، مما جعل كلفة إخضاعها عسكريًّا باهظة الثمن.

هذا الفشل البنيوي قاد إدارة أوباما تكتيكيًّا نحو “ثقب الإبرة” الوحيد المتاح: الدبلوماسية البراغماتية عبر الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أراده أوباما لتنفيذ سياسة الاحتواء بالوسائل الناعمة.

وفي هذا السياق، يفكك تريتا بارسي في كتابه “خسارة عدو” كيف تحولت الدبلوماسية إلى أداة لتقييد الخصم لا لمكافأته، مشيرًا إلى أن الأزمة تكمن في رفض صقور الحزب الجمهوري (المسيحيين الجدد) وحلفاء واشنطن الإقليميين لأي صيغة لا تضمن الاستسلام الكامل لطهران. وينوه بارسي أن “المخاوف الإقليمية لم تكن تنبع من فشل الاتفاق، بل من نجاحه في إنهاء عزلة إيران الجيوسياسية والاعتراف بها كقوة إقليمية نافذة، وهو ما يتعارض مع رغبة الهيمنة المطلقة”.

اليوم، تتجلى ذروة هذه الحرب في تحولات ميدانية غير مسبوقة؛ فإسرائيل، التي كانت الدافع الأساسي لترامب لخوض حرب بالوكالة، وجدت نفسها لأول مرة في مرمى نيران محرقة وقصف صاروخي إيراني عنيف وشامل، وضع الكيان الصهيوني أمام صدمة دمار كبير وخطر وجودي عجزت معه الحكومة عن إقناع مستوطنيها بالقدرة على حمايتهم، لتظهر علامات استفهام كبرى حول مصير إسرائيل كدولة تذهب نحو التلاشي والانهيار.

وعلى الموازاة، استفاقت دول الخليج على فخ استراتيجي؛ إذ تبين لها جليًّا أن القواعد الأمريكية المقامة على أراضيها وبأموالها لم تُنشأ لحمايتها، بل لحماية الكيان الصهيوني، ما يعني التضحية بسلامتها وسيادتها بلا ثمن.

في المحصلة، يتأكد أن استراتيجية إدخال إيران “بيت الطاعة” بالصيغة القديمة أصبحت خاوية وتفتقر للواقعية.

إن أي اختراق مستقبلي لن يتحقق عبر أوهام الإخضاع العسكري، بل عبر التخلي عن “عقدة الهيمنة” والقبول بموازين القوى الجديدة؛ فالتاريخ يُثبت أن “ثقب الإبرة” الأمريكي أضيق بكثير من أن تمر عبره طموحات طهران الجيوسياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى