من جنيف إلى الفوضى

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
ولا يزال الليبيون يعيشون حالة الهرولة السياسية التي تظهر بين الحين والآخر على السطح، عبر مجموعات تنتهج العبث في خلط الأوراق. وقد أصبح ميدان الصراع مباحًا، لا سيما ما يحدث غرب العاصمة طرابلس؛ فعندما تسكت الأفواه، تتكلم البنادق، حتى إن تمارين الأحمال الكهربائية لم تمنع من توالي طلقات النار. ويا ويل من يمر أمامها أو بالقرب منها، فيكون نصيبه طلقة طائشة في الرأس.
وفي الجانب الآخر، ومن أجل تخمةٍ لدى من يسيطرون على الأموال، يجري حرقها في تدوير الوجوه على موائد الملتقيات. وهذه المرة في جنيف، المدينة السويسرية التي تُدار بنظام كانتوني، يقوم فيه الشعب بتحقيق ما هو أقرب إلى مفهوم الاختيار الشعبي، ضمن مهام سلطة تستند إلى أدوات شعبية. يلتقي هناك عدد من الليبيين، لم تظهر وجوههم بالقدر الذي يمكن التعرف عليهم، ولا يُنقل مشروعهم إلا بالإعلان عن رئيس حكومة جديدة، لا يُعلم من هي ولا من يقف وراءها. وهي حكومة اختزلت الزمن والسرعة، خاصة أنها سبقت احتفالات الفوز بكأس العالم، وهو حدث لم يتابعه الليبيون كثيرًا، بعدما اعتاد بعضهم على مثل هذه المشاهد السياسية منذ أن حلّت بهم النكبة. وللأسف، ينظر السويسريون، وخاصة أهل جنيف، إلى الليبيين الذين امتلأت بهم الفنادق، بين لجان حوار متعددة وصفقات سياسية، تيمنًا بما صاغته لجنة الحوار، بتشكيل حكومة أُطلق عليها “حكومة الوحدة الوطنية”. وتسابق أعضاء مجلس النواب لمنحها الثقة، مقابل محاصصة وجّهتها سفارات فوق العادة.
وما فيش حد خير من حد، وزغرتي يا ليبيا، حتى وإن دارت بك النكبات، مع تكدس وتداول الحكومات؛ الأولى تدفع الثانية، والثالثة تُعلن من ضفاف بحيرة جنيف. وهذه المرة دون بهرجة أو جولان أو صولان، على نحوٍ يستغربه العقل السياسي من أنماطٍ ذات مواصفات ليبية. فيبدو أن فبراير تجتهد في البحث عن سياسة التعاطي باللامعقول، ومن يدري، لعل المشهد الليبي بات يستوعب مثل هذه الفوضويات السياسية، المنغمسة في حالات مكررة ومنهكة والتي تضفي على هذا المشهد الليبي مزيدًا من السخرية والعبث.
وربما يكشف واقع الحال أن ليبيا، التي ابتُليت بهذه العقول، تلحق بها تبعات ما عبرت به أيدي فبراير بتهورها، حتى غدت في النائحات مشاهد من العبث، لم تقتصر على السياسة، بل ذهبت إلى كشف الفضائح غير المستورة. ولا يعني ذلك أن الجميع يبكي على مصير الشعب الليبي المسكين، الذي يدفع الثمن نتيجة صمته وسكوته.
