مقالات الرأي

كوامي نكروما: فلسفةُ الوحدة الأفريقية – الجزء الرابع والأخير



بقلم / محمد نبيغ

انقلاب 1966: إسقاط المشروع قبل اكتماله: في الرابع والعشرين من فبراير سنة 1966، أُطيح بكوامي نكروما عبر انقلاب عسكري نُفِّذ أثناء وجوده في مهمة رسمية خارج البلاد. ولم يُنظر إلى ذلك الحدث، في كثير من الدراسات التاريخية، باعتباره مجرد تغيير داخلي في السلطة، بل بوصفه جزءًا من السياق الجيوسياسي للحرب الباردة، حيث كانت أفريقيا تمثل إحدى أهم ساحات التنافس بين القوى الدولية، وتقاطعت فيها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع الصراعات الأيديولوجية.

كان مشروع نكروما يتجاوز حدود غانا؛ إذ سعى إلى إعادة تعريف موقع أفريقيا داخل النظام الدولي، ونقلها من موقع المورِّد التقليدي للمواد الخام إلى فاعل يمتلك القدرة على توظيف موارده في خدمة التنمية المستقلة، وبناء قاعدة صناعية، وتعزيز التكامل القاري، بما يرفع من قدرتها التفاوضية في مواجهة القوى الاقتصادية الكبرى.

وقد شكَّل هذا التصور تحديًا للمصالح التي استفادت من استمرار البنية الاقتصادية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وهي بنية تقوم على تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات المصنعة، مع بقاء القرار الاقتصادي والمالي في دائرة التأثير الخارجي. كما أثار مشروعه الوحدوي تحفظات داخلية لدى بعض النخب السياسية والعسكرية التي رأت في انتقال جزء من الصلاحيات إلى مؤسسات قارية مستقبلية تهديدًا لموازين القوى القائمة داخل الدولة الوطنية.

وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن سقوط نكروما لم يكن معزولًا عن المناخ الدولي الذي حكم تلك المرحلة، حيث تداخلت العوامل الداخلية مع حسابات الحرب الباردة والمنافسة على النفوذ والموارد. وبصرف النظر عن تباين التفسيرات التاريخية، فإن النتيجة كانت واحدة: توقف أحد أكثر المشاريع الوحدوية طموحًا في أفريقيا قبل أن تتاح له فرصة الاكتمال.

غير أن سقوط التجربة السياسية لم يؤدِّ إلى سقوط الفكرة. فقد بقيت كتابات نكروما ومشروعه الفكري حاضرة في النقاشات المتعلقة بالوحدة الأفريقية، والسيادة الاقتصادية، والتنمية المستقلة، وأصبحت أفكاره مرجعًا مهمًّا لكل من يرى أن تجزئة القارة تمثل أحد أهم أسباب استمرار ضعفها في النظام الدولي.

نكروما اليوم: عودة السؤال الأفريقي: بعد أكثر من نصف قرن على رحيل كوامي نكروما، لا تزال كثير من الأسئلة التي طرحها حاضرة بقوة. فما زالت أفريقيا تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وقاعدة بشرية شابة، وموقعًا جيوسياسيًّا بالغ الأهمية، لكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتصنيع، والتكامل الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والقدرة على تعظيم القيمة المضافة لمواردها.

كما أن المنافسة الدولية على القارة لم تتراجع، بل أخذت أشكالًا جديدة مع تصاعد اهتمام قوى دولية وإقليمية متعددة بالاستثمار في الموارد الطبيعية، والبنية التحتية، والموانئ، والطاقة، والتكنولوجيا، وهو ما أعاد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بكيفية تحقيق الشراكات الدولية من موقع الندية، لا من موقع التبعية.

وفي الوقت نفسه، شهدت القارة تطورات مهمة تعكس سعيًا متزايدًا نحو التكامل، من خلال توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز التجارة البينية، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وبناء مؤسسات قارية أكثر فاعلية. وتمثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إحدى أبرز هذه المبادرات، لأنها تعكس إدراكًا متناميًا بأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل الأسواق المجزأة والاقتصادات المنعزلة.

ولا يعني ذلك أن رؤية نكروما قد تحققت بالكامل، كما لا يعني أن جميع مقترحاته قابلة للتطبيق بحرفيتها في الواقع المعاصر، فالعالم تغير، كما تغيرت طبيعة الاقتصاد الدولي، وتبدلت موازين القوى. غير أن جوهر فكره ما زال يحتفظ بقدر كبير من الحيوية، لأنه ينطلق من مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: لا يمكن لقارة تمتلك هذه الموارد والإمكانات أن تحقق استقلالها الحقيقي إذا بقيت إرادتها الاقتصادية والسياسية مجزأة.

خاتمة: مشروع لا ينتمي إلى الماضي

تكمن أهمية كوامي نكروما في أنه لم يكتفِ بقيادة معركة الاستقلال السياسي، بل سعى إلى تفكيك البنية العميقة التي تسمح بإعادة إنتاج الهيمنة بعد انتهاء الاحتلال المباشر. فقد أدرك أن السيطرة قد تنتقل من الثكنة العسكرية إلى السوق المالية، ومن الإدارة الاستعمارية إلى شبكات النفوذ الاقتصادي، ومن الجندي الأجنبي إلى النخب المحلية التي تعجز عن بناء مشروع وطني وقاري مستقل.

كما ميَّز بوضوح بين القبيلة باعتبارها مكونًا ثقافيًّا مشروعًا، وبين توظيفها السياسي بوصفه أداة لإضعاف الدولة وإعادة إنتاج الانقسام. فالتنوع، في نظره، يمكن أن يكون مصدر قوة إذا احتضنته دولة المواطنة، ويمكن أن يتحول إلى مصدر هشاشة إذا استُخدم وقودًا للصراع على السلطة.

ولهذا لم يكن مشروعه دعوة إلى إلغاء الدول أو محو الخصوصيات الوطنية، بل كان دعوة إلى تجاوز التجزئة التي فرضها التاريخ الاستعماري، وبناء تكامل أفريقي يجعل من اختلاف الموارد والخبرات والأسواق مصدر قوة جماعية، لا سببًا للتنافس والتفكك.

واليوم، ومع التحولات المتسارعة في بنية النظام الدولي، وعودة التنافس على الموارد الاستراتيجية، وتزايد أهمية الأمن الغذائي والطاقة والمعادن النادرة، يكتسب سؤال نكروما بعدًا جديدًا. فالتحدي لم يعد يقتصر على امتلاك الثروات، بل أصبح يتمثل في القدرة على إدارتها، وتحويلها إلى تنمية مستدامة، وصياغة سياسات مشتركة تحمي المصالح الأفريقية في عالم يتجه نحو مزيد من التكتلات الكبرى.

ولعل الرسالة الأعمق التي يتركها نكروما للأجيال اللاحقة هي أن الاستقلال ليس لحظة تاريخية تُعلن في احتفال رسمي، بل عملية مستمرة من بناء المؤسسات، وتعزيز السيادة، وإنتاج المعرفة، وتحقيق التكامل، وتحرير القرار الوطني من مختلف أشكال الارتهان. فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قوة، وتحويل القوة إلى نهضة، وتحويل النهضة إلى مشروع حضاري يصنع المستقبل.

وهكذا يبقى السؤال الذي طرحه نكروما قبل عقود قائمًا حتى اليوم: هل تستطيع أفريقيا أن تنتقل من موقع الساحة التي تتنافس عليها القوى الكبرى إلى موقع الشريك الذي يمتلك إرادته ويصوغ مستقبله بنفسه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل القارة وحدها، بل ستحدد أيضًا مكانتها في النظام العالمي خلال العقود القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى