مقالات الرأي

سرت.. عودة السياسة


هيئة التحرير

في وقتٍ طغت فيه لغة الصراع على العمل السياسي، جاء المؤتمر الأول للأحزاب الليبية في مدينة سرت ليؤكد أن الحوار الوطني ما زال ممكنًا، وأن الأحزاب قادرة على استعادة دورها في بناء التوافق وصناعة الحلول، وإثبات أن العمل السياسي المنظم يظل الطريق الأكثر جدوى لمعالجة الأزمات الوطنية بعيدًا عن منطق الانقسام والإقصاء.

وقد عكس الحضور الواسع لممثلي الأحزاب من مختلف أنحاء البلاد رغبة حقيقية في تجاوز الانقسام، وإحياء الحياة السياسية على أسس الحوار والشراكة. كما منحت التغطية الإعلامية المحلية والدولية للمؤتمر بعدًا وطنيًّا، ورسخت أهمية أي مبادرة تجمع الليبيين حول مشروع سياسي جامع يعزز الثقة بإمكانية الوصول إلى حلول توافقية.

ولم يقتصر المؤتمر على تشخيص الأزمة، بل خرج برؤى وتوصيات تناولت توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء المراحل الانتقالية، والتمهيد لانتخابات رئاسية وبرلمانية، إلى جانب تعزيز دور الأحزاب وتفعيل آليات متابعة تنفيذ المخرجات بما يضمن استمرارها وتحويلها إلى برامج عمل.

وتكمن أهمية المؤتمر في إعادة التأكيد على أن الأحزاب السياسية ليست عبئًا على الدولة، بل ركيزة أساسية في بناء المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية، متى التزمت بالقانون وقدمت برامج وطنية تخدم المصلحة العامة. فاستقرار الدول لا يتحقق بالحلول المؤقتة، وإنما بمؤسسات سياسية فاعلة تدير التنافس بصورة سلمية وتوفر بدائل سياسية مسؤولة.

كما أكدت سرت، باستضافتها هذا الحدث، قدرتها على احتضان اللقاءات الوطنية الجامعة، في رسالة تعزز فرص التقارب بين الليبيين وتفتح الباب أمام مسار سياسي أكثر نضجًا.

ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل مخرجات المؤتمر إلى خطوات عملية، والمحافظة على الزخم الذي تحقق، حتى يصبح هذا اللقاء بداية لتقليد سياسي راسخ يعيد الثقة بالعمل الحزبي، ويدفع نحو بناء دولة المؤسسات والقانون، بما يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها ويعزز استقرارها.

زر الذهاب إلى الأعلى