رفاقُ الطريق

بقلم / محمد علوش
رفاق الدرب الطويل، رفاق الفكرة والسيرة والمسيرة.. إلى أولئك الذين جمعتنا بهم سنوات العمر، وتقاسمنا معهم الحلم والأمل، وسرنا وإياهم في دروب النضال الطويلة؛ إلى من وقفوا معنا في محطات عديدة، واتفقنا معهم في قضايا، واختلفنا معهم في أخرى، لكننا لم نختلف عليهم يومًا، ولم ننكر تاريخهم أو تضحياتهم أو حضورهم في مسيرة الكفاح الوطني والاجتماعي.
هذه الكلمات ليست استعادة للماضي بقدر ما هي دعوة للحاضر والمستقبل؛ دعوة إلى كل رفاق الطريق الذين حملوا معنا ذات يوم راية الفكرة، وآمنوا بأن الإنسان هو غاية النضال، وأن الحرية والعدالة والكرامة ليست شعارات عابرة، بل قيمٌ تستحق أن نبذل من أجلها العمر والجهد والتضحيات.
لقد علمتنا التجارب أن الاختلاف بين المناضلين ليس نهاية الطريق، بل هو جزء من طبيعة العمل النضالي والفكري، وجزء من حيوية الأفكار وقدرتها على التجدد والتطور، فالمسيرة التي لا تعرف النقاش والاجتهاد تصبح جامدة، والفكرة التي لا تتفاعل مع الواقع تفقد قدرتها على التأثير.
قد تتباين اجتهاداتنا، وقد تختلف قراءاتنا للظروف السياسية والاجتماعية، وقد تتعدد رؤانا حول الوسائل والخيارات، لكن ما يجمع أصحاب المبادئ والقضايا الكبرى يبقى أكبر من أي خلاف عابر؛ إنه تاريخ مشترك، وذاكرة مليئة بالتضحيات، وتجربة إنسانية غنية صنعتها سنوات من العمل والصمود والانتماء.
لقد جمعتنا طريق طويلة؛ طريق لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالتحديات والمنعطفات الصعبة، عشنا فيها لحظات الأمل والانتصار، كما مررنا بلحظات التعب والانكسار، لكننا بقينا مؤمنين بأن الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها لا بد أن تصنع مستقبلها مهما طال الطريق.
حملنا معًا راية النضال، ودافعنا عن قضايا شعبنا، وعن حقوق العمال والكادحين والفقراء والمهمشين، وآمنا بأن التغيير لا يصنعه المنتظرون، بل أولئك الذين يمتلكون شجاعة الفعل والمبادرة، ويؤمنون بأن التاريخ لا يمنح لمن يقف متفرجًا، بل لمن يشارك في صناعته.
إلى كل الرفاق الذين ابتعدوا عن مواقع العمل، أو أصابهم التعب، أو شعروا بأن الطريق أصبح أكثر صعوبة، نقول: إن المسيرة لم تنته، وإن الحاجة إلى أصحاب التجارب والضمائر الحيّة ما زالت قائمة، فالأوطان والقضايا الكبرى لا تحتاج فقط إلى الشباب والحماس، بل تحتاج أيضًا إلى حكمة الذين راكموا التجربة، وإلى وفاء الذين عرفوا معنى التضحية.
فالمناضل الحقيقي لا يغادر الفكرة، ولا يتخلى عن القضية، ولا يسمح للخلافات أن تطفئ جذوة الانتماء، فقد تتغير المواقع، وقد تتبدل الظروف، وقد يعيد الإنسان قراءة تجربته، لكن جوهر الالتزام يبقى حاضرًا لدى كل من اختار طريق النضال بوعي وإيمان.
إن الأوطان لا تبنى بالغياب، والأفكار لا تعيش إلا بأصحابها، والقضايا العادلة لا تنتصر إلا بأولئك الذين يواصلون الدفاع عنها في كل الظروف، فالتاريخ لا يكتبه الذين اختاروا الوقوف على الهامش، بل أولئك الذين ظلوا في قلب المعركة، يحملون الأمل رغم قسوة الواقع.
رفاق الطريق.. فلنختلف إن اختلفنا، فهذا حق وضرورة، فالحوار والنقد والاجتهاد هي التي تمنح الأفكار قدرتها على البقاء والتجدد، لكن علينا أن نحافظ على الود والاحترام والوفاء، وألَّا يتحول الاختلاف إلى قطيعة، ولا النقد إلى هدم، ولا التباين في المواقف إلى إنكار لتاريخ طويل من العطاء المشترك.
إن ما يجمعنا أكبر من لحظة خلاف، وأعمق من موقف عابر؛ يجمعنا تاريخ صنعناه معًا، وذكريات تركت أثرها في وجداننا، وقيم آمنّا بها ودافعنا عنها في أصعب الظروف.
عودوا إلى ميادين العمل، إلى الناس، إلى ساحات الدفاع عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، عودوا إلى حيث تكون الأفكار حيّة، وحيث يكون النضال فعلًا يوميًا من أجل الإنسان والوطن، ومن أجل القضية، فالقضية أكبر من الأشخاص، والمسيرة أطول من اللحظة، والراية لا تزال تنتظر الأيدي التي تحملها، والأصوات التي تدافع عنها، والقلوب التي تؤمن بأن المستقبل يصنعه أصحاب الإرادة، فالمناضل الحقيقي قد يتعب، وقد يختلف، وقد يغير موقعه، لكنه لا يترك طريق النضال؛ لأنه اختار أن يكون جزءًا من تاريخ شعبه، ومن مسيرة البحث عن الحرية والعدالة والكرامة حتى آخر العمر.
