مقالات الرأي

خيط تارزي الشريعة



بقلم / عفاف الفرجاني

لم تكن صورة امرأة تُجلد في ساحة عامة بمدينة سبها مجرد مشهد عابر مر على الذاكرة الليبية.. بل كان صادما. لأنه أعاد فتح سؤال قديم يتجاوز الواقعة نفسها: هل نحن أمام تطبيق للقانون، أم أمام عودة لمنطق استخدام العقوبة كرسالة سياسية واجتماعية ودينية؟

فالحدود في الفقه الإسلامي لم تُشرّع بوصفها أدوات استعراض، بل باعتبارها جزءًا من منظومة عدل متكاملة، تقوم على شروط صارمة في الإثبات، وعلى مبدأ شهير في الفقه هو درء الحدود بالشبهات. وقد شدد العلماء عبر التاريخ على أن إقامة الحكم لا تنفصل عن إقامة العدل، وأن السلطة التي تطبق العقوبة دون أن تحقق المساواة بين الناس تفقد جوهر الغاية التي من أجلها وُجد القانون.

لكن الإشكالية التي تفرض نفسها في الحالة الليبية لا تتعلق بالحكم وحده، بل بالسياق الذي يظهر فيه. فبعد سنوات من الانقسام السياسي، وضعف منظومة العدالة، يصبح أي مشهد عقابي علني محملًا بأسئلة أكبر من تفاصيل القضية نفسها.

في تقديري لو بقي هذا الأمر كما هو عليه فسيقودنا إلى معايشة تجارب إقليمية مماثلة، أظهرت فيها بعض التيارات المتطرفة حرصها على القيم الاجتماعية لتبدأ مشروعها من خلال الحلقة الأضعف، وهي النساء، وليس من الملفات الاقتصادية أو بناء المؤسسات، من خلال فرض نمط اجتماعي صارم، لتجعل من قضايا المرأة والآداب العامة عنوانًا لإظهار السيطرة على المجتمع. وقد شهد العالم نماذج لجماعات مسلحة استخدمت العقوبات العلنية كأداة دعائية لإثبات النفوذ، لا كجزء من منظومة عدالة مستقلة.

في تقديري الشخصي أن المرأة في ليبيا أصبحت القناة الأسهل لإرسال الرسائل الأيديولوجية لأنها تمثل في المجتمعات المحافظة، مثل ليبيا، رمزًا للصراع حول الهوية والقيم. لتبقي ملفات الدم والقتل ونهب المال العام والفساد، وانتهاك حقوق المواطنين طي الكتمان، وينشغلون بالمرأة.

بعد هذا المشهد المخزي الذي عرض من جهة تمثل العدالة قبل القانون، والمرأة تجلد خانعة ذليلة استعملت لتوصيل رسالة، في غياب المتهم الأول، الرجل الذي تقاسم معها هذه الجرم، ليصبح لدي سؤال أكثر إلحاحًا: هل ستكون الدولة قادرة على بناء قانون يطال الجميع، أم سيبقى القانون حاضرًا فقط عندما يكون الخصم بلا قوة أو حماية؟

في هذه السردية، نجد أن أكبر خطر يهدد هيبة العدالة ليس وجود العقوبة، بل غياب التوازن. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة الأضعف، وإنما بقدرتها على إخضاع الأقوى للقانون نفسه.

يا أيها القائمون على إصدار الأحكام، العدالة التي تبدأ من جسد امرأة وتنتهي عند أقدام رجل داس القيم والأخلاق والقانون تحت حذائه، ليست عدالة مكتملة، بل صورة تستنقص منكم ومن دولتكم، التي تتخبط في البحث عن هيبتها المفقودة، فعندما تهان المرأة باسم العدالة، تُهان الدولة باسم القانون، وكرامة المرأة ليست قضية فردية، بل معيار أخلاق الدولة وهيبة قضائها.

زر الذهاب إلى الأعلى